ما أطيب الرب
" ذوقوا و انظروا ما أطيب الرب ، طوبى للرجل المتوكل عليه "
( مز 34 : 8 )
أول هجوم
لإبليس على الإنسان تمثل في محاولته الخبيثة لإفساد ثقة حواء في صلاح الله و محبته
، و للأسف فقد نجح في هذا تماما !! و منذ ذلك اليوم و حتى الآن امتلك الإنسان
انطباعا مزيفا عن طبيعة الله ، و هذا الانطباع المزيف حطم كل صلاح في حياة الإنسان
و قاده إلى الخطية و الدمار .
لا شئ
يزعج و يسوه النفس أكثر من انطباع خاطئ عن الله ، لقد اعتقد الفريسيون بأن
الله قاس و عنيف و لذلك خلت حياتهم من الرحمة و إن امتلأت بالذبائح ( مت 9 : 13 )
لقد احتفظوا من الخارج بمستوى عال من الأخلاقيات إ لا أنهم من الداخل كانوا "
قبورا " كما قال لهم الرب ، تصورهم الخاطئ عن الله قادهم إلى أسلوب أجوف
للعبادة يختلف ظاهره عن باطنه ، كانت العبادة بالنسبة للفريسي نيرا ثقيلا لا يحبه
و إن كان لا يستطيع الهرب منه ، كان الله بالنسبة للفريسي إلها جافا و لذلك صارت
عبادته روتينية و خالية من المحبة ، و هذا
أمر طبيعي لأن انطباعنا عن الله هو الذي يحدد شكل و مضمون عبادتنا له .
حياة مسيحية
كئيبة
و
المسيحية أيضا مرت بأوقات كانت فيها ديانة قاسية و جافة !! و السبب هو نفسه ، نظرة
خاطئة لله ، و الإنسان يحاول غريزيا أن يكون مثل إلهه ، فلو كنا نتخيله قاسيا و
عنيفا فهكذا سنكون نحن أيضا !! و بسبب الفشل في فهم الله فهما صحيحا أصبح هناك قدر
ضخم من الكآبة في قلوب مؤمني أيامنا هذه و حياتهم المسيحية تبدو تعيسة معتلة
متألمة تمضي بتثاقل تحت إشراف آب قاس يطلب منهم الكثير و لا يتسامح في شئ ، أناني
ومعتد بذاتــه و ذي مزاج حاد من الصعب إرضاؤه !! و عبادتهم تتميز بالرتابة و الملل
و التكرار ، صلواتهم روتينية و تسبيحهم ميكانيكي !! و لا عجب ، فنوعية الحياة التي
تنشأ من مثل هذه النظرة المشوهة لله لابد أن تكون تقليدا مشوها للحياة المسيحية
الحقيقية .
بل للأسف
هناك الكثير من الخدام لا يستطيعون التحرر من تصورهم الخاطئ عن الله ، و هذه
التصورات تسمم حياتهم و تدمر حريتهم الداخلية ، هؤلاء الأعزاء يخدمون الله بتجهم
كما كان الابن الأكبر يفعل ، يخدمون باجتهاد لكن بدون فرح و بدون حماس ، ولذلك
تجدهم غير قادرين على تفهم الفرح و الابتهاج بعودة الأخ الضال !! فكرتهم عن الله
تجعلهم يستعدون أن يفرح و يبتهج في وسط شعبه ، لذلك تراهم يعتبون مظاهر الفرح و
التهليل سفها و ابتذالا !! إنهم نفوس غير سعيدة مقدر لها أن تسير بتثاقل في طريق
كئيب يفعلون فيه الصواب فقط لكي يكونوا في الجانب الرابح في يوم الدينونة !!
من
الأساسي جدا لصحتنا الروحية أن نحتفظ في أذهاننا دائما بتصور صحيح عن الله ، فلو
فكرنا كشخص بارد و جاف بلا مشاعر فسيكون من الصعب أن نحبه ، و ستمتلئ حياتنا بخوف
العبيد ، أما إذا آمنا بأنه طيب و صالح فستنعكس هذه الحقيقة على حياتنا كلها .
طيب هو الرب
الحق هو
أن الله طيب ، بل هو الأكثر سحرا و جمالا في وسط كل خليقته !! و خدمته ممتعة لدرجة
لا يعبر عنها ، إنه كلي المحبة و هؤلاء الذين يتعاملون معه يدركون يوما بع الآخر
أعماق هذه المحبة ، و هو كلي العدل و لا يتغاضى أبدا عن أية خطية ، و لكنه من خلال
دم العهد الأبدي يتعامل معنا كما لو لم نخطئ أبدا !! في تعامله مع أبنائه رحمته
دائما تغطي عدله !!
و الشركة
مع الله مبهجة إلى درجة تفوق التعبير ، إنه يدخل مع أبنائه في شركة بسيطة و سهلة و
غير روتينية ، شركة مريحة و شافية للنفس ، إنه ليس حاد المزاج أو أنانيا أو قاسيا
بل طيب هو للذين يترجونه للنفس التي تطلبه ( مر 3 : 25 ) ما هو عليه اليوم ستجده
غدا و بعد غد و إلى الأبد ، ليس من الصعب إرضاؤه لأنه لا يطلب منا إلا ما سبق و
أعطاه لنا !! إنه سريع في ملاحظة أقل مجهود نقدمه لأجل رضاه ، و بنفس السرعة يغض
الطرف عن أي قصور عندما يرى أننا نحاول إتمام مشيئته ، إنه يحبنا لأنفسنا ، و
محبتنا له أثمن في عينيه من كل العالم .
ستختلف
حياتنا تماما إذا استطعنا أن نذوق و ننظر ما أطيب الرب !! حتى عندما يؤدبنا فهو يفعل هذا بقلب الآب الذي يريد
أن يرى ابنه ينمو يوما فيوما و يزداد شبها بأبيه ، إنه يعرف جبلتنا و يذكر أننا
تراب نحن لذلك لا يمكن أن يكون تأديبه لنا أكبر من احتمالنا .
لسنا
في حاجة إلا أن نخاف من الله لأنه كلي الصلاح من نحونا ، و هو لا يريدنا أن نجعل
أنفسنا صالحين بل أن نأتي بكل عدم صلاحنا و نستودع أنفسنا بين يديه ، و نؤمن أنه
يتفهم كل شئ و يحبنا رغم كل شئ
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق