لحظة الخروج من محضر الرب
« فذاك لمـا أخذ اللقمة خرج للوقت » ( يو13: 30)
« فخرج إلى خارج وبكى بكاءً مراً » (مت 26: 75)
ما أقسى تلك اللحظة !! لحظة الخروج من محضر الرب والابتعاد عن شخصه ، لحظة الخروج من نور شمس البر إلى ظلام الليل البارد ، لحظة الخروج من الحضن الدافئ إلى الخواء والبكاء المر ، فما أقسى أن ذات الأقدام التي سارت في إثر السيد تتحول وتسير مبتعدة عنه ، وذات القلب الذي طالما تمتع بالدخول إلى محضره يتحول ليخرج إلى خارج .
ما أقساها لحظة حين يجد الإنسان قلبه يصرخ معترفاً أنه لم يجد راحة إلا في محضر يسوع ولم يعرف السعادة إلا بقرب شخصه ومع ذلك يجد أقدامه تسرع الخُطى مبتعدة عن مكان الراحة والسعادة !! ما أقساها لحظة يضطر فيها الإنسان أن ينكر حباً طالما أشبعه ويتجاهل عطاءً طالما أغناه ويدوس إحساناً طالما كساه ، ما أقساها لحظة فيها تنهار القيم و تهتز الموازين وتتبدل المشاعر ، ما أقساها لحظة نبيع فيها الحبيب لنشتري رضا العدو ونترك الحقيقة بحثاً عن السراب و نبتعد عن الحياة لنرتمي في أحضان الموت !!
في الليلة التي أُسلم فيها السيد تكررت هذه اللحظة كثيراً في حياة التلاميذ ، منهم مَن خرج بإنكار مشين ومَن خرج بهروب مهين ومن خرج سعياً وراء سراب خادع وضلال مبين !! هناك من خرج ثم ندم وسلك طريق الرجوع وهناك من خرج وتعثَّرت خطواته في الظلام و كبَّلت القيود قدميه فلم يستطع الرجوع ، وكانت لحظة خروجه من محضر الرب هي آخر عهده بالحياة والنور ولم يبقَ له سوي الموت والظلام إلى الأبد ، ما أقساها لحظة الخروج من محضر الرب !!
خرج مضطراً .. ثم عاد !!
كان بطرس ومازال مثالاً لمن يضطر للخروج من محضر الرب رغم محبة قلبه للسيد !! خرج تحت ضغط شديد لم يستطع مقاومته ، والغريب أنه لم يكن ضغطاً من الخارج فالله أمين ولا يسمح لنا بتجربة فوق ما نستطيع أن نحتمل ، لكن الضغط كان من الداخل ، من الذات الكامنة في أعماقه كالوحش الرابض ، هذا الوحش الذي كثيراً ما نُفاجأ بوجوده كما يُفاجأ به المحيطون بنا !!
بداخل كل منا ذات لا تحب إلا نفسها ولا تقيم وزناً إلا لمقاييسها ، قادرة أن تتلون بكل الألوان لتحصل على ما تريد ، تنتفخ وتتصاغر وترتفع وتنحني وتهادن وتعادي حسب مُعطيات الظروف المحيطة ، قد تستكين وتهدأ حين تسير الأمور على هواها حتى تظنها غير موجودة ، وفجأة تظهر بكل عنفوانها وجبروتها حتى أنها تصيب صاحبها نفسه بالدهشة والانزعاج !!
حين كانت الأمور تسير بحسب هوى بطرس لم يكن يشعر بهذه الذات الرابضة في أعماقه ، لكن الرب الذي يعرف ما في داخل الإنسان كان يراها كل الوقت ، وطالما حاول أن يلفت لها الأنظار ويحذر من غدرها ، لكن بطرس كان يولي ذاته ثقة لا تستحقها و يعطي لنفسه مكانة لا تقوى عليها ، تماماً كما نفعل نحن مع أنفسنا !!
دخل بطرس إلى دار رئيس الكهنة مجذوباً من قلبه الذي يحب السيد ويود لو يظل بجواره كل العمر ، لكن عندما رأى الأحداث تسير في طريق الألم والموت تحرك فجأة الوحش الكامن في أعماقه ، خرجت منه مشاعر لم يعتقد يوماً أنها بداخله ، مشاعر غدر وخيانة وكذب وافتراء ، ظهرت ذات ليس عندها أي قيم ثابتة بل تستطيع أن تتلون بكل الألوان لترضي المحيطين ، في لحظات تغيِّر اعترافه من «أنت المسيح ابن الله الحي » إلى « لست أعرف الرجل » ، استطاع في ثوانٍ أن يغيِّر لغته إلى السب واللعن والحلف طالما أن هذه هي اللغة السائدة في المكان وقتئذ !! وهكذا وجد نفسه مدفوعاً من داخله ليخرج من محضر الرب إلى حيث الظلام والبكاء المر ، وما أقساها لحظة الخروج من محضر الرب .. مضطراً !!
لكن الرب الذي كفَّر بدمه عن هذه الذات الرديئة كان قد رسم له طريق الرجوع !! قال له « وأنت متى رجعت ثبِّت اخوتك » ( لو22: 32) كان الرب يعلم أن بطرس لا يستطيع أن يبقى طويلاً في الخارج ولن يستطيع أن يصمد كثيراً في الابتعاد ، وأن محبته للسيد ستقوده للرجوع وستهديه في طريق التوبة ، وستعرف خطواته طريقها للدخول مرة أخرى إلى محضر الرب ولن تعود تخرج إلى خارج ثانية .
خرج .. ولم يعد !!
في ذات الليلة الظلماء خرج يهوذا الإسخريوطي ولكنه لم يرجع !! مات هناك في الظلمة الخارجية ، ذهب إلى حيث لا يمكنه الرجوع ، لأنه لم يخرج من محضر الرب مضطراً بل بكامل اختياره ، خرج سعياً وراء سراب كاذب وخادع ، سراب إمكانية الجمع بين الرب و المال ، كان يثق في براءة الرب من التهم المنسوبة إليه ويعتقد جازماً أن يسوع لن تعوزه القدرة لتبرئة نفسه ، كان يؤمن أن الله العادل لن يسمح أن يُدان البريء ظلماً ، وهكذا أراد أن يلعب على جميع الأطراف ويربح من كل النواحي ، يربح المال حين يسلِّم يسوع لليهود ويربح المسيح بقبلة زائفة كان يظن أنها ستُبقي حبل الود موصولاً بسيده ، وعندما يخرج يسوع من القضية بريئاً يكون هو قد ربح المال ولم يخسر يسوع ، إنه نفس السراب الذي يخدع كثيرين اليوم ويجعلهم يظنون أنهم قادرون على الجمع بين يسوع والعالم ، الله والمال ، الحق والباطل ، الأبدي والزائل !!
لكن الأمور سارت على غير ما كان يظن وأُسلم الدم البريء للموت ، وأفاق على كارثة فقدان يسوع إلى الأبد ، واكتشف لأسفه الشديد أنه لا يمكنه الجمع بين سيدين ولا يستطيع السير في طريقين ، لذلك يقول الكتاب « لما رأى أنه قد دِين ندم .. » (مت 27: 3) ندم لأنه لم يتوقع أن يسوع سيُدان ويُحكم عليه ، ندم لأنه اكتشف أن كل حساباته كانت خاطئة ، كانت الثلاثين من الفضة مبلغاً لا بأس به إذا ظل يسوع حياُ ولكن في ضوء خسارته ليسوع صار نفس المبلغ تافهاً ولا قيمة له ، فذهب ورد المال قائلاً « أخطأت إذ أسلمت دماً بريئاً » !! وهكذا وجد يديه فارغة من الاثنين معاً ، واكتشف أن السراب الذي سعى وراءه ما هو إلا صحراء جرداء ، ونظر وراءه فلم يبصر طريقاً للرجوع لأنه أضاع كل فرص النعمة التي قُدمت إليه مراراً ورفض الارتماء في حضن المحبة التي فُتح له تكراراً ، لقد قاده حب المال للخروج من محضر الرب ولم يستطع الرجوع ، وما أقساها لحظة الخروج من محضر الرب .. بلا عودة !!
احفظني بجوارك دائماً يا سيدي واحمني من لحظة الخروج من محضرك ، ولو خرجت مرة مهزوماً مضطراً ارسم لي بدمائك الكريمة سبيلاً للرجوع ، آمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق