الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011



 تكريس الفكر
" مستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" ( 2 كو 10 : 5 )
        تفكير الإنسان هو أحد أهم منابع حياته ، و الإنسان الذي يتمتع بتفكير سليم يتمتع بالتالي بحياة سليمة مثمرة ، أما إذا كان فكره ضيقا و مشوشا تكون حياته مرتبكة قليلة القيمة له و للآخرين .
        كل واحد منا يحيا في عالمين مختلفين ، الأول هو العالم المادي المحيط بنا من الخارج  و الثاني هو عالمنا الخاص الذي صنعته أفكارنا عن العالم المحيط ، فالعالم الخارجي لا يستطيع أن يؤثر فينا مباشرة بل هو يؤثر علينا من خلال أفكارنا ، إن أسلوب تفكيرنا و تفاعلنا مع العالم الخارجي هو الذي يؤثر فينا و ليس العالم الخارجي نفسه ، أي إن العالم بالنسبة لنا ليس هو العالم المحيط بنا فعلا بل ما نفتكره نحن عن هذا العالم !!    
        و طالما أن فكر الإنسان يكون عالمه الخاص الذي يعيش فيه فنحن إذا لا نعيش جميعا في نفس العالم ، بل كل واحد منا يعيش في عالمه الخاص الذي صنعته أفكاره و أسلوب تفاعله مع أحداث العالم المحيط بنا ، فربما يسير ثلاثة رجال جنبا إلى جنب إلا أنهم في الواقع يعيشون في ثلاثة عوالم مختلفة !! و إليك مثل لذلك :
        تخيل أن ثلاثة رجال يسيرون داخل إحدى الغابات  ، أحدهم شاعر و أديب و الثاني دارس للتاريخ الطبيعي و الثالث تاجر أخشاب ، و إذ يرى الثلاثة منظر الأشجار العتيقة الضخمة تتوارد على أذهانهم أفكار مختلفة كل الاختلاف : فكر الشاعر يقفل راجعا عبر القرون إلى ذلك الزمن السحيق الذي كانت فيه هذه الشجرة الضخمة مجرد نبتة خضراء ضعيفة تبرز لتوها من الأرض الطينية ،  و تتوارد على ذهنه أسماء العظماء الذين كانوا في ذلك الحين يرتدون التيجان و يحكمون الإمبراطوريات ، آه .. أين هو الآن ؟! كيف غادروا المشهد و طواهم النسيان و لم يعد أحد يذكرهم إلا نفر قليل من المهتمين بتاريخ تلك العصور الغابرة !! إن منظر الأشجار العتيقة أثار في فكر الشاعر عالما واسعا مليئا بالذكريات و الأحاسيس و عبق التاريخ .
        أما دارس التاريخ الطبيعي فعالمه أضيق من عالم الشاعر و إن كان أكثر تفصيلا فتجده يصغي إلى تغريد خافت يكاد لا يسمعه أحد و يحاول أن يعرف نوع هذا الطائر المغرد ، ثم فجأة ينحني على جذع إحدى الأشجار ليفحص نوعا من الطحالب التي تتكاثر عليه ، ثم يميز خدوشا على لحاء إحدى الأشجار فيستنتج أن دبا عبر من هذا الطريق لتوه !! إن عالمه رحب ملئ بتفاصيل صغيرة لا يعيرها الآخرون أي انتباه .                                                                                    
أما تاجر الأخشاب فعالمه أضيق كثيرا من سابقيه ، فمنظر الأشجار الضخمة لا يستثير فيه ذكريات تاريخية و لا حقائق علمية ، إنه يفحص الأشجار بعيني التاجر يقيس محيطها و ارتفاعها و بحسبة سريعة يحسب كم ستدر عليه من ربح إذا باعها في سوق الأخشاب ، إن عالمه هو عالم التجارة الجامد الخالي من الأحاسيس و الذكريات        ، إنه لا يستطيع أن يرى في هذه الأشجار إلا أخشابها ، إنه محصور في عالم التجارة و لا يستطيع أن يرى أي شئ فيما وراء هذا العالم .
هل لاحظت كيف أن عالما خارجيا واحدا قد تحول إلى ثلاثة عوالم داخلية مختلفة من خلال عملية التفكير الخاصة بثلاثة أفراد مختلفين ؟ إن العالم الخارجي ما هو إلا المادة الخام ، أما تأثير العالم على الإنسان فهو نتاج تناول ذهن كل واحد لهذه المادة الخام .
يهوذا الاسخريوطي و يوحنا الحبيب عاشا في نفس العالم الخارجي ، لكن كم كان الفرق عظيما بين فهم كل منهما لهذا العالم ، و نفس الشئ يمكن أن يقال عن قايين و هابيل ، عيسو و يعقوب ، شاول و داود ، من هذا نتعلم أن الظروف لا تصنع إنسانا بل أسلوب تجاوب فكر الإنسان مع الظروف هو الذي يصنع الإنسان . 
و ماذا عن فكر المؤمن ؟ يقول بولس " ليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضا " ( في 2 : 5 ) إن فكر المؤمن ينبغي أن يكون متوافقا مع فكر المسيح ، الله يريدنا أن نفكر بنفس أسلوب تفكيره ، و عندما يمتلئ المؤمن بفكر الله يكون تعامله مع العالم الخارجي هو نفس تعامل الله ، لأنه يفكر في الأحداث و الأشخاص بنفس تفكير الله ، و تصبح كل ظروف الحياة بمثابة الرحيق الخام الذي يتحول في ذهن المؤمن إلى عسل شهي !!
لكن هذا لا يحدث بصورة ميكانيكية ، فلكي يتم هذا العمل العظيم ينبغي أن يسود الله على أفكار شعبه ، إذا أردنا أن نفكر أفكار الله  فينبغي أن نتعلم كيف نخضع فكرنا لطاعة المسيح ، ينبغي أن نفكر في كل شئ مباشرة ، أفكاره ينبغي أن تتجه أولا إلى الله و من خلال فكر الله يستطيع أن يفكر في أي شئ آخر ، إن أفكاره مثل ملائكة السلم الذي رآه يعقوب في بيت إيل ، تصعد إلى السماء أولا ثم تنزل إلى الأرض ، و يبقى الله على رأس السلم هدفا و مسيطرا على كل أفكارنا . و هكذا يحيا المؤمن بفكره في عام خاص يسوده الله حتى و إن ظل يحيا بجسده في عالم يسوده إبليس !! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق