الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011



أهمية الانتظار

" و فيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا   موعد الآب "
( أع 1 : 4 )
        أمر يسوع تلاميذه أن ينتظروا في أورشليم حتى ينالوا ملء الروح القدس ، و لا شك أن هذا الانتظار كان ثقيلا على نفوسهم و لكنه كان ضروريا كما هو ضروري لنا اليوم ، فالانتظار أمام الله لأجل ملء الروح يصنع فينا أمرين :
                                        1ـ التفريغ
        الانتظار يفرغنا حتى يمكن أن نمتلئ !! قليلون هم الذين ينتظرون حتى يتفرغون و لذلك قليلون هم الذين يمتلئون بالروح ، إن نفوسنا مملوءة بأمور كثيرة لا تليق بشخص الروح القدس ، و ينبغي أن نتفرغ من هذه الأمور حتى نصبح مهيئين لقبول الملء و الانتظار هو المناخ المناسب لحدوث هذا التفريغ ، لقد اجتمع التلاميذ معا و انتظروا أمام الله و صلـــوا و فحصوا قلوبهم ، و نسوا خوفهم من الحكام الغاضبين الذين قتلوا سيدهم ، نسوا غيرتهم المرة و طموحهم الأناني و خلافاتهم الصبيانية ، و تفرغوا تماما من محبة الذات و الشعور بالبر الذاتي و الثقة الباطلة في النفس ، و صارت قلوبهم متحدة مثل قلب رجــل واحـد ، و قدموا طلبة واحدة تعبر عن جوعهم الشديد لحضور الله ، و عندئذ فقط انسكب عليهم حضور الله .
        لقد أتى إليه الله ، أتي بالقوة و النار ، أتى ليطهرهم و ينظفهم و يقدسهم ليسكن في قلوبهم ، أتى ليمنحهم صلابة في مواجهة أعدائهم ، أتى ليجعلهم متضعين في قلب الانتصار ، صبورين في وسط التجارب ، ثابتين في مواجهة الاضطهادات ، فرحين في وحدتهم و تخلي الناس عنهم ، و غير خائفين في مواجهة الموت .
        سكنى الروح فيهم جعلهم حكماء في ربح النفوس و ملأهم بروح سيدهم ، حتى أنهم قلبوا المسكونة رأسا على عقب ، و رغم ذلك نراهم لم يأخذوا مجدا لأنفسهم بل أعطوا كل المجد لمن يستحقه ، لشخص الله له المجد .
        و نحن أيضا تحت التزام أن نمتلئ بالروح القدس ( أف 5 : 18 ) و لو لم نمتلئ في التو و اللحظة فلا ينبغي أن نظن أن هذه البركة ليست لنا ، و لا نسمح لعدم الإيمان أن يملأنا باتضاع كاذب يجعلنا نرضى بوضعنا الراهن و نعقد أيادينا و نكف عن الصراخ إلى الله ، إن الله يسمح لنا بالانتظار لكي نصرخ إليه أكثر كثيرا و نفتش الكتب بحثا عن مزيد من النـور و الحق ، و نفحص قلوبنا و نخضع نفوسنا و نأخذ جانب الله ضد ذواتنا الرديئة و ضد إبليـس و أعماله فينا ، و لا نخور من الانتظار حتى نغتصب ملكوت السموات اغتصابا . و الله يسمح لنا بالانتظار أيضا لأجل :
2ـ زيادة إيماننا
الله يحب أن نتقدم إليه بجرأة الإيمان و نلج في طلبنا حتى يستجيب ، ومثلما غضب أليشع من يوآش ملك إسرائيل عندما ضرب السهام ثلاث مرات ووقف بينما كان ينبغي أن يضرب خمس أو ست مرات ( 2 مل 13 : 19 ) هكذا يغضب الله إذا وجد إيماننا ضعيفا يكف عن الطلب بسرعة و ييأس بسهولة و يتحول بعيدا و يمضي بدون أن ينال البركة التي طلبها ، و يشبع بسرعة بأقل قدر من التعزية بينما الله يريد أن يطينا المعزي نفسه !!
المرأة الفينيقية التي أتت إلى يسوع لكي يشفي ابنتها هي مثل للإيمان الــذي ينمـو و يتقوى كلما تأنى الله في الاستجابة وسمح له بالانتظار ، و هي تخجل معظم المؤمنين بجرأتها و إصرارها و ثبات إيمانها ، لم ترحل بدون أن تنال بدون أن تنال البركة التي طلبتها رغم أن يسوع في البداية لم يجبها بكلمة ، و كثيرا ما يفعل معنا اليوم ، نصلي و لا نجد إجابة ، الله صامت !!     
و عندما ألحت المرأة في طلبها وجدنا يسوع يصدها بقوله إنه لم يأت لأمثالها بل لخراف بيت إسرائيل الضالة ، و مثل هذه الكلمات القاسية تكون كافية لتجعل مؤمني هذه الأيام يشتكون على الله و يجدفون عليه !! لكن الأمر لم يكن هكذا مع هذه المرأة ، لقد ارتقى إيمانها فوق هذه العقبة و استمرت في لجاجتها !!
و أخيرا يبدو لنا أن يسوع يضع ملحا على جرح نفسها بقوله : " ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين و يطرح للكلاب " !! و عندئذ وصل إيمانها و تمسكها بالرب إلى ذروته فقالت : " نعم يا سيد ، و الكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها "  لقد قبلت أن تأخذ مكان الكلاب و تقبل نصيب الكلاب ، و كان هذا اعترافا منها بحالتها و حالة شعبها الأدبية المتردية .
و عندما زاد إيمانها و تنقى حتى وصل إلى ذروته وجدنا يسوع يجيبها إلى طلبها : " يا امرأة عظيم إيمانك ، ليكن لك كما تريدين " ( مت 15 : 28 ) .
لقد أراد يسوع أن يباركها منذ البداية و لكنه سمح لها بالانتظار لكي يتقوى إيمانهــا و يستخرج منها اعترافا بحالة قلبها ، و هكذا الرب يريد أن يملأنا اليوم و لكنه قد يسمح بالانتظار لكي يفرغنا و يزيد إيماننا . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق