أهمية الانتظار
" و فيما هو مجتمع معهم
أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا
موعد الآب "
( أع 1 : 4 )
أمر يسوع
تلاميذه أن ينتظروا في أورشليم حتى ينالوا ملء الروح القدس ، و لا شك أن هذا
الانتظار كان ثقيلا على نفوسهم و لكنه كان ضروريا كما هو ضروري لنا اليوم ،
فالانتظار أمام الله لأجل ملء الروح يصنع فينا أمرين :
1ـ
التفريغ
الانتظار يفرغنا حتى يمكن أن نمتلئ !! قليلون هم الذين ينتظرون حتى يتفرغون
و لذلك قليلون هم الذين يمتلئون بالروح ، إن نفوسنا مملوءة بأمور كثيرة لا تليق
بشخص الروح القدس ، و ينبغي أن نتفرغ من هذه الأمور حتى نصبح مهيئين لقبول الملء و
الانتظار هو المناخ المناسب لحدوث هذا التفريغ ، لقد اجتمع التلاميذ معا و انتظروا
أمام الله و صلـــوا و فحصوا قلوبهم ، و نسوا خوفهم من الحكام الغاضبين الذين
قتلوا سيدهم ، نسوا غيرتهم المرة و طموحهم الأناني و خلافاتهم الصبيانية ، و
تفرغوا تماما من محبة الذات و الشعور بالبر الذاتي و الثقة الباطلة في النفس ، و
صارت قلوبهم متحدة مثل قلب رجــل واحـد ، و قدموا طلبة واحدة تعبر عن جوعهم الشديد
لحضور الله ، و عندئذ فقط انسكب عليهم حضور الله .
لقد أتى إليه
الله ، أتي بالقوة و النار ، أتى ليطهرهم و ينظفهم و يقدسهم ليسكن في قلوبهم ، أتى
ليمنحهم صلابة في مواجهة أعدائهم ، أتى ليجعلهم متضعين في قلب الانتصار ، صبورين
في وسط التجارب ، ثابتين في مواجهة الاضطهادات ، فرحين في وحدتهم و تخلي الناس
عنهم ، و غير خائفين في مواجهة الموت .
سكنى
الروح فيهم جعلهم حكماء في ربح النفوس و ملأهم بروح سيدهم ، حتى أنهم قلبوا
المسكونة رأسا على عقب ، و رغم ذلك نراهم لم يأخذوا مجدا لأنفسهم بل أعطوا كل
المجد لمن يستحقه ، لشخص الله له المجد .
و نحن
أيضا تحت التزام أن نمتلئ بالروح القدس ( أف 5 : 18 ) و لو لم نمتلئ في التو و
اللحظة فلا ينبغي أن نظن أن هذه البركة ليست لنا ، و لا نسمح لعدم الإيمان أن
يملأنا باتضاع كاذب يجعلنا نرضى بوضعنا الراهن و نعقد أيادينا و نكف عن الصراخ إلى
الله ، إن الله يسمح لنا بالانتظار لكي نصرخ إليه أكثر كثيرا و نفتش الكتب بحثا عن
مزيد من النـور و الحق ، و نفحص قلوبنا و نخضع نفوسنا و نأخذ جانب الله ضد ذواتنا
الرديئة و ضد إبليـس و أعماله فينا ، و لا نخور من الانتظار حتى نغتصب ملكوت
السموات اغتصابا . و الله يسمح لنا بالانتظار أيضا لأجل :
2ـ زيادة إيماننا
الله يحب أن
نتقدم إليه بجرأة الإيمان و نلج في طلبنا حتى يستجيب ، ومثلما غضب أليشع من يوآش
ملك إسرائيل عندما ضرب السهام ثلاث مرات ووقف بينما كان ينبغي أن يضرب خمس أو ست
مرات ( 2 مل 13 : 19 ) هكذا يغضب الله إذا وجد إيماننا ضعيفا يكف عن الطلب بسرعة و
ييأس بسهولة و يتحول بعيدا و يمضي بدون أن ينال البركة التي طلبها ، و يشبع بسرعة
بأقل قدر من التعزية بينما الله يريد أن يطينا المعزي نفسه !!
المرأة
الفينيقية التي أتت إلى يسوع لكي يشفي ابنتها هي مثل للإيمان الــذي ينمـو و يتقوى
كلما تأنى الله في الاستجابة وسمح له بالانتظار ، و هي تخجل معظم المؤمنين بجرأتها
و إصرارها و ثبات إيمانها ، لم ترحل بدون أن تنال بدون أن تنال البركة التي طلبتها
رغم أن يسوع في البداية لم يجبها بكلمة ، و كثيرا ما يفعل معنا اليوم ، نصلي و لا
نجد إجابة ، الله صامت !!
و عندما ألحت
المرأة في طلبها وجدنا يسوع يصدها بقوله إنه لم يأت لأمثالها بل لخراف بيت إسرائيل
الضالة ، و مثل هذه الكلمات القاسية تكون كافية لتجعل مؤمني هذه الأيام يشتكون على
الله و يجدفون عليه !! لكن الأمر لم يكن هكذا مع هذه المرأة ، لقد ارتقى إيمانها
فوق هذه العقبة و استمرت في لجاجتها !!
و أخيرا يبدو
لنا أن يسوع يضع ملحا على جرح نفسها بقوله : " ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين و
يطرح للكلاب " !! و عندئذ وصل إيمانها و تمسكها بالرب إلى ذروته فقالت :
" نعم يا سيد ، و الكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها
" لقد قبلت أن تأخذ مكان الكلاب و
تقبل نصيب الكلاب ، و كان هذا اعترافا منها بحالتها و حالة شعبها الأدبية المتردية
.
و عندما زاد
إيمانها و تنقى حتى وصل إلى ذروته وجدنا يسوع يجيبها إلى طلبها : " يا امرأة
عظيم إيمانك ، ليكن لك كما تريدين " ( مت 15 : 28 ) .
لقد أراد يسوع
أن يباركها منذ البداية و لكنه سمح لها بالانتظار لكي يتقوى إيمانهــا و يستخرج
منها اعترافا بحالة قلبها ، و هكذا الرب يريد أن يملأنا اليوم و لكنه قد يسمح
بالانتظار لكي يفرغنا و يزيد إيماننا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق