الاثنين، 19 ديسمبر 2011



يداه و رجلاه
" و حين قال هذا أراهم يديه و رجليه " ( لو 24 : 4 )
        يداه !! لم يشهد التاريخ مثل هاتين اليدين !! يداه مفتوحتان دائما لكي تشبع الجميع رضى ، أبدا لم تغل أو تغلق في وجه محتاج ، م تمتد قط لتأخذ شيئا لنفسها بل كل ما وضع فها ارتد إلى صاحبه أضعافا ، وضعوا فيها خبرات قليلة فأشبعت جموعا غفيرة ، و تلاميذ قليلين ففتنوا مسكونة كبيرة ، كل ما وضع  في تلك اليدين اكتسب قيمة أبدية تفوق بكثير قيمته الأصلية .
        يداه !! كم شفت أمراضا و فتحت عيون عميان ، إذا امتدت لتلمس النعش تتوقف مسيرة الموت في الحال و تدل الحياة من جديد ، و إذا كانت أي يد أخرى إذا امتدت لتلمس الأبرص تتنجس و تجعل صاحبها نجسا ، فهذه اليد وحدها كاملة الطهارة ، تقترب من الأبرص المنبوذ و تلمسه و لا تتنجس بل تحول نجاسته على طهارة في الحال .
        و رجلاه !! ما أعجب هاتان الرجلان !! إنها ليست كأرجلنا تلك السريعة إلى سفك الدم ، بل هي سريعة و تاعبة جدا في بحثها عن الضال حتى تجده ، كم سارت ساعات طويلة لتجد نفسا واحدة ، كم صعدت جبالا و نزلت وديانا و داست أشواكا حتى تجد الضال و ترجع به إلى البيت .
        رجلاه !! لم تنتظر قط أن يأتي إليها الضال بل كانت تذهب إليه حيث هو ، إلى قبور كورة الجدريين أو بئر مدينة سوخار أو رواق بيت حسدا . 
        رجلاه ... عندها خرجت الحمى ( حب 3 : 5 ) عندها أفرغ القلب الحزين همومه و أعلن عن توبته و رجوعه ، و عندها أعلنت النفس تكريسها و سكبت نارديها ، و هناك ـ عند رجليه ت كان النصيب الصالح الذي لا ينزع .
        لكن ما هو رد فعل الإنسان تجاه تلك ليدين و الرجلين ؟
                           ثقبوا يدي و رجلي !! مز 22 : 16
        و لا عجب ، فأي انزعاج صنعته تلك اليدان و الرجلان للإنسان الساقط !! كم فضحت أعماله الميتة و فساد قلبه المستتر ، كم أنزلت الأعزاء عن الكراسي التي اعتلوها بالباطل ، كم صرفت الأغنياء فارغين و شتتت المستكبرين بفكر قلوبهم ، لأجل كل هذا امتلأ الإنسان حقدا و حسدا و تمنى أن يقيد تلك اليدين و الرجلين، أن يسمرهم فلا تعود تتحرك ، أن يثقبهم فتسكن إلى الأبد .
        و أي انزعاج صنعته تلك اليدان و الرجلان لمملكة الشر !! و أي دمار سببته لإبليس و جنوده!! كم قوضت حصونه وأفسدت خططه و أطلقت أسراه !! لذلك امتلأ هو الآخر حقدا على تلك اليدين و الرجلين ، احرقه غضبه و أمضه حسده و تمنى أن ينقض بكل جنوده على يدي الرب المبارك و رجليه ليسمرهم ، ليثقبهم و يثبتهم في مكانهم لكي لا يعودوا يتحركون إلى الأبد .
        و أخيرا أتت الساعة ، ساعة الإنسان و سلطان الظلمة ( لو 22 : 53 ) ساعة أعطاها الآب لتتميم مشيئة الإنسان و إبليس معا ، ساعة ظلمة قاسية اتحد فيها حسد إبليس مع حسد الإنسان ، فما كان منهم إلا أن انقضوا على " يديه و رجليه " ليوثقوهم بعنف و يدفعوهم بقسوة إلى خشب الصليب الخشن ، و يثقبوهم بمسامير غليظة لكي لا تتحرك أيضا ، ثم رفعوه عاليا لكي يشاهد الجميع ـ لآخر مرة ـ تلك اليدين و الرجلين ، و كأن إبليس يصيح بصوت عـال " لن تعود تلك اليدان تشفيان أحد ، لن تعود ترعى و تقود ، من يضل ستلتهمه الذئاب لأنه لن توجد بعد الرجلان التي تسعيان وراء الضال حتى تجده ... " !!
        و لكن هل يمكن أن يمسك الموت تلك اليدين و الرجلين ؟! هل يمكن لظلمة القبر أن تحجز النور الخارج منهم ؟ هل يمكن لقسوة الإنسان و ظلمه أن تبدد المحبة الكامنة فيهم ؟ هل ينجح إبليس بكل شره أن يقيدهم .
                               أنظروا يدي و رجلي !! لو 24 : 39
        فجأة ، و التلاميذ مجتمعون في العلية المغلقة ، وقف يسوع في الوسط و قال لهم : " سلام لكم " !! لقد حملته رجلاه إليهم حيث هم كما كانت تفعل دائما ، حيث أغلال الخــوف و الشك و مشاعر الوحدة و اليتم ، و ها هو يفتح يديه و يمنحهم سلاما كما كان يفعل دائما ، و كأنه يقول لهم : " انظروا يدي و رجلي ، إنها تماما كما كانت دائما ، لم تتغير و لم تتوقف ، ثقوا و لا تخافوا ، فلا توجد قوة تستطيع أن تمنعهم من الحركة مرة أخرى " ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب !!
        و مازالت يداه تعملان حتى اليوم ، ترعى و تطعم و تشدد و تقوي ، و مازالت رجلاه تسعى نحو الضال و تدخل مخادع المرض و الموت و تصل إليك حيث أنت ، هلا تلامست مع يديه و رجليه ؟ هل أخذت من يديه كأس خلاصك ، و هل ركعت و قبلت رجليه التي بحثت عنك طويلا ؟ أم تراك مازلت بعيدا عنه ؟ أخي الحبيب ، إن حياتك كلها هناك .. في يديه و رجليه !!
       

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق