يداه و رجلاه
" و حين قال هذا أراهم يديه و رجليه " ( لو 24 : 4 )
يداه !!
لم يشهد التاريخ مثل هاتين اليدين !! يداه مفتوحتان دائما لكي تشبع الجميع رضى ،
أبدا لم تغل أو تغلق في وجه محتاج ، م تمتد قط لتأخذ شيئا لنفسها بل كل ما وضع فها
ارتد إلى صاحبه أضعافا ، وضعوا فيها خبرات قليلة فأشبعت جموعا غفيرة ، و تلاميذ
قليلين ففتنوا مسكونة كبيرة ، كل ما وضع
في تلك اليدين اكتسب قيمة أبدية تفوق بكثير قيمته الأصلية .
يداه !!
كم شفت أمراضا و فتحت عيون عميان ، إذا امتدت لتلمس النعش تتوقف مسيرة الموت في
الحال و تدل الحياة من جديد ، و إذا كانت أي يد أخرى إذا امتدت لتلمس الأبرص تتنجس
و تجعل صاحبها نجسا ، فهذه اليد وحدها كاملة الطهارة ، تقترب من الأبرص المنبوذ و
تلمسه و لا تتنجس بل تحول نجاسته على طهارة في الحال .
و رجلاه
!! ما أعجب هاتان الرجلان !! إنها ليست كأرجلنا تلك السريعة إلى سفك الدم ، بل هي
سريعة و تاعبة جدا في بحثها عن الضال حتى تجده ، كم سارت ساعات طويلة لتجد نفسا
واحدة ، كم صعدت جبالا و نزلت وديانا و داست أشواكا حتى تجد الضال و ترجع به إلى
البيت .
رجلاه !!
لم تنتظر قط أن يأتي إليها الضال بل كانت تذهب إليه حيث هو ، إلى قبور كورة
الجدريين أو بئر مدينة سوخار أو رواق بيت حسدا .
رجلاه ...
عندها خرجت الحمى ( حب 3 : 5 ) عندها أفرغ القلب الحزين همومه و أعلن عن توبته و
رجوعه ، و عندها أعلنت النفس تكريسها و سكبت نارديها ، و هناك ـ عند رجليه ت كان
النصيب الصالح الذي لا ينزع .
لكن ما هو
رد فعل الإنسان تجاه تلك ليدين و الرجلين ؟
ثقبوا يدي و رجلي !!
مز 22 : 16
و لا عجب
، فأي انزعاج صنعته تلك اليدان و الرجلان للإنسان الساقط !! كم فضحت أعماله الميتة
و فساد قلبه المستتر ، كم أنزلت الأعزاء عن الكراسي التي اعتلوها بالباطل ، كم
صرفت الأغنياء فارغين و شتتت المستكبرين بفكر قلوبهم ، لأجل كل هذا امتلأ الإنسان
حقدا و حسدا و تمنى أن يقيد تلك اليدين و الرجلين، أن يسمرهم فلا تعود تتحرك ، أن
يثقبهم فتسكن إلى الأبد .
و أي
انزعاج صنعته تلك اليدان و الرجلان لمملكة الشر !! و أي دمار سببته لإبليس و
جنوده!! كم قوضت حصونه وأفسدت خططه و أطلقت أسراه !! لذلك امتلأ هو الآخر حقدا على
تلك اليدين و الرجلين ، احرقه غضبه و أمضه حسده و تمنى أن ينقض بكل جنوده على يدي
الرب المبارك و رجليه ليسمرهم ، ليثقبهم و يثبتهم في مكانهم لكي لا يعودوا يتحركون
إلى الأبد .
و أخيرا
أتت الساعة ، ساعة الإنسان و سلطان الظلمة ( لو 22 : 53 ) ساعة أعطاها الآب لتتميم
مشيئة الإنسان و إبليس معا ، ساعة ظلمة قاسية اتحد فيها حسد إبليس مع حسد الإنسان
، فما كان منهم إلا أن انقضوا على " يديه و رجليه " ليوثقوهم بعنف و
يدفعوهم بقسوة إلى خشب الصليب الخشن ، و يثقبوهم بمسامير غليظة لكي لا تتحرك أيضا
، ثم رفعوه عاليا لكي يشاهد الجميع ـ لآخر مرة ـ تلك اليدين و الرجلين ، و كأن
إبليس يصيح بصوت عـال " لن تعود تلك اليدان تشفيان أحد ، لن تعود ترعى و تقود
، من يضل ستلتهمه الذئاب لأنه لن توجد بعد الرجلان التي تسعيان وراء الضال حتى
تجده ... " !!
و لكن هل
يمكن أن يمسك الموت تلك اليدين و الرجلين ؟! هل يمكن لظلمة القبر أن تحجز النور
الخارج منهم ؟ هل يمكن لقسوة الإنسان و ظلمه أن تبدد المحبة الكامنة فيهم ؟ هل ينجح
إبليس بكل شره أن يقيدهم .
أنظروا يدي و
رجلي !! لو 24 : 39
فجأة ، و
التلاميذ مجتمعون في العلية المغلقة ، وقف يسوع في الوسط و قال لهم : " سلام
لكم " !! لقد حملته رجلاه إليهم حيث هم كما كانت تفعل دائما ، حيث أغلال الخــوف
و الشك و مشاعر الوحدة و اليتم ، و ها هو يفتح يديه و يمنحهم سلاما كما كان يفعل
دائما ، و كأنه يقول لهم : " انظروا يدي و رجلي ، إنها تماما كما كانت دائما
، لم تتغير و لم تتوقف ، ثقوا و لا تخافوا ، فلا توجد قوة تستطيع أن تمنعهم من
الحركة مرة أخرى " ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب !!
و مازالت
يداه تعملان حتى اليوم ، ترعى و تطعم و تشدد و تقوي ، و مازالت رجلاه تسعى نحو
الضال و تدخل مخادع المرض و الموت و تصل إليك حيث أنت ، هلا تلامست مع يديه و
رجليه ؟ هل أخذت من يديه كأس خلاصك ، و هل ركعت و قبلت رجليه التي بحثت عنك طويلا
؟ أم تراك مازلت بعيدا عنه ؟ أخي الحبيب ، إن حياتك كلها هناك .. في يديه و رجليه
!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق