كيف تقرأ ؟!
" و إذا ناموسي قام
يجربه قائلا : يا معلم , ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية ؟ فقال له : ما هو مكتوب
في الناموس ؟ كيف تقرأ ؟! " ( لو 10 : 25 , 26 )
أحيانا لا يكون
السؤال هو : ماذا تقرأ ؟
أو كم تقرأ ؟
بل ...
كيف تقرأ ؟!
|
عندما يسأل ناموسي , قد تعمق في دراسة الناموس ، عن
الطريق للحياة الأبدية فلابد أن هناك خللا ما في أسلوب قراءته للناموس !! فغاية
كلمة الله هي توضيح الطريق إلى الحياة الأبدية ، و كل من يقرأ الكلمة بإخلاص لابد
أن يجد فيها طريقه إلى الله ، لكن المأساة هي أن الإنسان قد يقرأ الكلمة بأسلوب
خاطئ يجعله عاجزا عن رؤية الحقائق الواضحة فيها.
و هذا ما
كشفه الرب عندما أجابه بأن الطريق إلى الحياة الأبدية واضح في الناموس و لا يحتاج
إلى سؤال ، فيقول الكتاب : " و أما هو فإذ أراد أن يبرر نفسه قال ليسوع : و
من هو قريبي ؟" هذا الناموسي كان يقرأ الناموس " لكي يبرر نفسه : !! إنه
يبحث في كلمة الله عن وصايا و فرائض و أقوال تريح ضميره ، إنه لا يضع ضميره تحت
سلطان المكتوب بل يضع المكتوب تحت سلطان ضميره ، يقبل ما يريح ضميره و يبرره و
يدعي عدم الفهم لما يدينه و يتعبه !! إنه لا يخدم المكتوب بل يحاول أن يجعل المكتوب
يخدمه !! و مثل هؤلاء تبقى الكلمة بالنسبة لهم مغلقة لا تبوح لهم بأسرارها و لا
تفتح لهم كنوزها و لا تشرق عليهم بنورها !!
و أمثال
هذا الأسلوب الخاطئ كثيرة في أيامنا هذه ، فالبعض يقرأون الكلمة لكي يستخدموها
لمصلحته ، لكي يثبتوا عقائد كنيستهم التي آمنوا بها مسبقا قبل أن يعرفوا رأي
الكتاب فيها ، أو لكي يدحضوا عقائد الكنائس الأخرى التي رفضوها مسبقا أيضا !! و
آخرون يبحثون عن وعود تشجيع يستريحون عليها و يدعمون بها مواقفهم حتى و إن كانت
هذه الكلمات الإلهية لا تنطبق عليهم بتاتا !! و الذهن البشري المراوغ قادر على أن
يجد أي موضوع يريده في أي جزء كتابي أمامه حتى و إن كان هذا الجزء لا يمت للموضوع
بأي صلة و قادر أيضا أن يتنصل من أي موضوع لا يريده مهما كان واضحا في الجزء
الكتابي الذي أمامه !!
آخرون
يقرأون الكلمة بأذهان منتفخة و روح ناقدة ، أنهم لا يبحثون فيها عن شخص الله أو
الطريق للوصول إليه ، بل عندما يقرأونها يكون هدفهم هو تحصيل المعرفة الذهنية
المجردة أو وضع الكلمة تحت فحص أذهانهم و نقدها !! هؤلاء تظل الكلمة مغلقة أمامهم
لا يرون فيها إلا أحداثا بلا رابط ، و إذا أسلمهم الله لبطل ذهنهم سيجدون فيها ما
ينتقدونـــه و يشككون فيه ، و يقودهم ذهنهم الباطل لكي يرفضوا الكلمة و يرفضوا
معها الحياة !!
آخرون
عندما يتناولون الكتاب يكون هدفهم هو أن يجدوا فيه دراسة مشبعة للذهن و ملفتة
للانتباه و يستخرجوا منه تأملات جديدة يعظون بها شعبهم ، فتراهم يمعنون في البحث
عن معاني الأسماء و تطبيق الرموز و كثيرا ما يحملون الكلمات فوق ما تحتمله لكي
يثبتوا أنهم دارسون مبدعون و مجددون ، و المحزن في الأمر أن المعنى البسيط
الواضح للكلمات يظل غائبا عن نظرهم !! و تتوه أقدامهم عن الطريق البسيط العملي
إلى الله ، و إذا نظرت لحياتهم الشخصية لوجدتهم لا يتبعون خطوات السيد ن هل تعرف
لماذا ؟ لأنهم لم يقرأوا الكتاب لكي يجدوا الله لأنفسهم بل لكي يستخرجوا منه ما
يشبع أذهانهم و أذهان سامعيهم ، إنهم الفريسيين الذين برعوا جدا في دراسة الكتاب و
حفظوا حروفه و لكن قلوبهم ظلت بعيدة كل البعد عن صاحب الكتاب ، و انحرفت أقدامهم
عن الطريق و هو لا يدرون !!
لكن هناك
من يقرأ بقلب مفتوح و ذهن خاضع متيقظ يريد أن يعرف إرادة الله لنفسه أولا ، لا
يريد أن يبرر نفسه بل يخضع ضميره لحكم الله مهما كان , أنه يبحث في دروب الكلمة عن
آثار خطوات السيد لكي يضع قدميه فيها !!
إنه لا يقرأ أحداثا بعيدة عنه بل تخصه ، لأنه يؤمن أن إله الكتاب هو إله
اليوم و غدا ، إنه يضع ضميره تحت الكتاب و ليس العكس و يخضع ذهنه لفحص الكلمة و
ليس العكس، إنه لا يصدر حكما على الكلمة بل يقف بخشوع أمام الكلمة لكي تصدر عليه
حكمها !!
و العجيب
إن كلمة الله الحية لا تمنع عن الإنسان ما يريده !! من يقرأ لكي يبرر نفسه ، سيجد
ما يبرر به نفسه و من يقرأ لكي ينقد سيجد ما ينقده ، و من يقرأ لكي يستخرج تأملات
فسيجد منها الكثير ، و لكن كل هؤلاء سيظلون محرومين من جوهر الكلمة ألا و هو
الحياة الأبدية ، و ستقودهم أذهانهم إلى التهلكة !! أما من يقرأ الكلمة لكي يجد
الله فسوف يجده لنفسه ، و ستفتح له الكلمة بابا لا يستطيع أحد أن يغلقه ، و
سترافقه في الطريق يوما فيوما حتى تصل به إلى معرفة الإله الحقيقي وحده و يسوع
المسيح الذي أرسله ، تلك المعرفة التي هي الحياة الأبدية .
أخي
العزيز ، كيف تقرأ كلمة الله ؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق