الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


        الصليب القديم و الجديد
        بصورة تدريجية غير معلنة نشأ في الوقت الأخير صليب جديد في أوساط المؤمنين !! إنه يشبه الصليب القديم لكنه مختلف عنه تماما ، الشبه بينهما سطحي أما الاختلاف فجذري .
        من هذا الصليب الجديد انبثقت فلسفة جديدة للحياة المسيحية ، و من هذه الفلسفة الجديدة نشأت نظم جديدة ، نظم في العبادة و الخدمة و الكرازة ، هذه النظم الجديدة قد تستخدم لغة الكنيسة الأولى ن لكن محتواها مختلف تماما !!
        الصليب القديم لم يكن يهادن العالم و الجسد ، كان الصليب هو نهاية المطاف للإنسان العتيق المتكبر ، كان ينفذ حكم الموت في جسد الخطية ، أما الصليب الجديد فهو يسمح للإنسان العتيق بالحياة !! الصليب الجديد ليس مضادا لطبيعة الإنسان ، إنه يحاول أن يسايرها و يتجاوب معها ، إنه يسمح للدوافع القديمة بأن تحيا و لكن بصورة " أرقى " !!  إذا كان الإنسان العتيق يريد أن يعيش لأجل سعادته فالصليب الجديد لا يمانع في هذا لكنه يقدم له وسائل للسعادة أكثر رقيا و سموا !! فبدلا من أن يتجرع كؤوس الخمر و يشاهد الأفلام القبيحة و يغني الأغاني المبتذلة ، يدعوه الصليب الجديد إلى أن يشترك في فريق الترنيم بالكنيســة و مشاهدة الأفلام الدينية و الاشتراك في حملات الكرازة !! مازال الهدف هو المتعة الذاتية و إن كانت الوسائل قد أصبحت أرقى مستوى و أكثر عقلانية !!
        الصليب الجديد شجع على تقديم المسيحية بشكل جديد تماما ، الخدام لم يعودوا يطلبون من الناس رفضهم للحياة القديمة و التوبة عنها ، إنهم لا يقدمون اختلافا بل توافقا مع حياة العالم ، يريدون أن يجتذبوا اهتمام الناس بإظهار أن المسيحية لا تطلب منهم رفض متع العالم ، بل إنها تقدم لهم نفس المتع لكن بصورة أرقى ، نفس " السلعة " التي يقدمها العالم للخاطئ لكي يسعى إليه الناس أصبحنا نظهر أن الإنجيل أيضا يقدمها ، مع الأخذ فـــي الاعتبار أن " المنتج " الديني لا شك أفضل من نظيره الذي يقدمه العالم !!
        الصليب الجديد لا يصلب جسد الخطية بل يحاول إعادة توجيهه ، إنه يقوده على وسائل أنظف و أرقى للحياة مع الحفاظ على محبته لذاته ، إنه يقول لمن يريد\ أن يحافظ على ذاته ، " تعال إلى المسيح لكي يبارك لك في ذاتك " و لمن يريد أن يفتخر بنفسه يقوم " تعـال و افتخر في الرب " و لطالب الإثارة و متعة المغامرة يقول " تعال و اكتشف متعة إتباع المسيح "!! إن المسيحية أصبحت تساير رغبات الإنسان لكي تكون مقبولة منه . قد يكون هناك قدر من الإخلاص وراء هذه الفلسفة ، لكن هذا الإخلاص لا يمنع من كونها فلسفة باطلة عمياء ، لأنها لا ترى المعني الحقيقي للصليب .
                            
                       الصليب القديم يحكم على الإنسان العتيق بالموت
الصليب القديم رمز للموت ، يضع نهاية حازمة للإنسان العتيق ، الإنسان في العصر الروماني عندما كان يحمل صليبه و يذهب لتنفيذ الحكم كان يودع أهله لأنه لن يعود ثانية أبدا ، فالصليب لا يتفاهم مع أحد و لا يعدل من أحد و لا يبقي على أحد ّّ إن حكمه بالموت نهائي ، إنه لا يحاول أن يتلطف مع صاحبه أو يكسب رضاه ، إنه يضرب بشدة و بعنف و عندما ينتهي من عمله يكون الإنسان أيضا قد انتهى .
        الإنسان العتيق تحت حكم الموت ، ليس هناك استئناف للحكم و لا توجد وسيلة للهرب منه ، الله لا يمكن أن يترك الإنسان العتيق يعيش مهما بدت أعماله للعين البشريـــة جميلة و بريئة ، الله يخلص الإنسان بأن يميته ثم يقيمه ثانية في جدة الحياة .
        الكرازة التي تسير بالتوازي بين طرق الله و طرق الإنسان كرازة باطلة في نظر الله و مؤذية لنفوس سامعيها ، الإيمان بالمسيح لا يتوازى مع حياة العالم بل يتقاطع معها !! بقبولنا للمسيح نحن لا نرفع حياتنا القديمة إلى مستوى أرقى ، بل إننا نضعها بالكامل على الصليب و نحكم عليها بالموت ، إن حبة الحنطة ينبغي أن تسقط في الأرض و تموت .   
        الكارزون بالإنجيل ينبغي ألا يعتقدوا أن الكلام المعسول يمكن أن يصنع تآلفا بين المسيح و العالم ، إننا لسنا " دبلوماسيين " بل خداما للإنجيل ، و رسالتنا  هي إعلان الصليب.
        الله يمنح حياة ، و لكنها ليست نفس الحياة القديمة بعد التعديل و التحسين ، بل الحياة التي يمنحها الله هي حياة من موت ، الحياة تقف دائما في الجانب الآخر من الصليب ، من يريد أن يصل غليها ينبغي أن يجتاز الصليب أولا ، ينبغي أن ينكر نفسه و يقبل حكم الله عليه ،  ينبغي أن يتوب و يرفض خطاياه و ذاته الخاطئة ، و يقر باستحقاقها للموت .
الحياة من الموت
        ينبغي أن ننظر بثقة و ببساطة الإيمان للمخلص المقام و منه سننال الحياة و القداسـة و القوة ، الصليب الذي أنهى الحياة الأرضية ليسوع ينبغي أن يضع نهاية لحياة الخطية فينا ، و القوة التي أقامت يسوع من بين الأموات تقيمنا الآن إلى حياة جديدة في المسيح .
        و لمن يعترض على هذا الحق أو يعتبره تزمتا و نظرة ضيقة للصليب دعني أقول : إن الله قد ختم هذا الحق بختم رضاه منذ أيام بولس و حتى الآن ، هذا هو محتوى الكرازة التي منحت الحياة و القوة للعالم عبر القرون ، كل المصلحين و رجال النهضات كرزوا بهذا الحق الخاص الحاضر بالصليب ووضع الروح القدس ختم رضا الله على هذه الكرازة بآياتـه و عجائبه و قواته التي صنعها معهم ، دعونا نكرز بالصليب القديم لكي نعود نختبر تلك البركة القديمة . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق