الذين يحبون أنفسهم جدا
مئة
وعشرون ألفا من المديانيين قاموا لمحاربة
إسرائيل فهب لصد الهجوم اثنــان و ثلاثون ألف إسرائيلي ( قض 6 ، 7 ) لكن الله رأى
أنه إذا هزم الإسرائيلي الواحد أربعة مديانيين
فسيكون هذا مدعاة للافتخار بالذات و نسيان الله ، و سيقول الواحد منهم " يدي
خلصتني " ، كما كان الرب يعلم أن هناك الكثير من ذوي القلوب المرتجفة و الركب
المخلعة يتحينون الفرصة لكي يهربوا من الحرب ، لذلك قال لجدعون " ناد في آذان
الشعب قائلا من كان خائفا و مرتعدا فليرجع " فرجع من الشعب اثنان و عشرون
ألفا و بقي عشرة آلاف .
ومرة أخرى
رأى الرب أنه إذا هزم الإسرائيلي الواحد اثني عشر مديانيا فسيكون هذا أكثر مدعاة
للافتخار و نسيان الله ، لذلك قال لجدعون " انزل بهم إلى الماء فأنقيهم لك
... كل من يلغ بلسانه من الماء كما يلغ الكلب فأوقفه وحده ، و كذا كل من حثا على
ركبتيه للشرب ، و كان عدد الذين ولغوا بيدهم إلى فمهم ثلاث مئة رجل .. فقال الرب
لجدعون بالثلاث مئة الرجل الذين ولغوا أخلصكم و أدفع المديانيين ليدك ، و أما سائر
الشعب فليذهبوا كل واحد إلى مكانه .
هؤلاء الثلاث
مئة هم الذين يستطيع الله أن يستخدمهم ، ليس فقط أنهم شجعان لكن بالأحرى لأنتهم
يعرفون كيف ينكرون أنفسهم ، لم ينبطحوا على وجوههم لينهلوا من الماء كما يشاءون
لأنهم تعلموا أن يضبطوا أنفسهم في كل شئ و يكبحوا جماح شهواتهم عندما يكونون في
وقت حر و جهاد ، لذلك وقفوا بعيون مفتوحة على العدو و بيد تمسك بالسلاح و باليد
الأخرى اغترفوا القليل من الماء ليرووا ظمأهم . رغم أنهم كانوا عطشى مثل كل
الباقين ، و رغم أن النهر كان يجري عند أقدامهم غزيرا .
بقية
الرجال لم يكونوا من ضمن الخائفين من الحرب لكنهم يريدون أن يشربوا الكثير من
الماء قبل الذهاب للحرب ، و رغم أن العدو يتقدم نحوهم نراهم يتركون السلاح و
ينبطحون أرضا و ينزلون برؤوسهم إلى النهر لكي يبتلعوا أكبر قدر ممكن من المياه ،
أنهم يحبون أنفسهم حتى في وقت الحرب ، لذلك أرسلهم الله إلى منازلهم شأنهم شأن
بقية الخائفين ، و اكتفى بالثلاث مئة رجل و خاض بهم الحرب ضد كل جيش المديانيين و
انتصر . حيث لا مجال للافتخار بقوة الإنسان و حيث ينبغي أن يعود كل المجد لله .
هناك في
صفوف المؤمنين بعض الخائفين الذين لا يحتملون أي نوع من المقاومة أو الاضطهاد ، و
يتجنبون خوض أية معركة روحية لأجل المسيح . و يتراجعون سريعا إلى الصفوف الخلفية و
يكتفون بالجلوس في منازلهم و مراقبة الأحداث عن بعد ، لكن هناك أيضا غير خائفين بل
لعلهم يرغبون في خوض أية معركة من أجل المسيح ، تجدهم يرنمون و يصلون دائما بصوت
عال غير مبالين بالمقاومين ، و تراهم يجاهرون بشهادتهم عن المسيح أمام الجميع ، و
لكنهم رغم هذا غير نافعين للسيد ، و لا يمكن أن يستخدمهم لإتمام عمله !! لماذا ؟
لأنهم يحبون أنفسهم جدا !! عندما يريدون شيئا فلابد أن يحصلوا عليه مهما كلفهم هذا
من خسائر روحية ، لم يتعلموا أن ينكروا أنفسهم و يقمعوا مشيئات الجسد في وقت الحرب
.
أعرف
كثيرين يعلمون أن تناول طعام دسم قبل الذهاب إلى الاجتماع يسحب الدم من الرأس إلى
المعدة مما يصيب الإنسان بالتخمة و عدم التركيز و الانتباه و يحرم النفس من إدراك
الأمور الروحية العميقة و الجهاد في الصلاة و يمنع الخادم من خدمة النفوس باهتمام
و تركيز ، و رغم كل هذا هم يحبون الطعام جدا لذلك يتناولون طعامهم الدسم المعتاد
قبل الذهاب إلى الاجتماع ضاربين عرض الحائط بكل ما يعرفونه من محاذير و بكل ما
وراءهم من مسئوليات ، و هكذا يحزن روح الله و يفارق خدمتهم ، ليس لأنهم ضعفاء
جبناء بل فقط لأنهم يحبون أنفسهم جدا .
و أعرف
كثيرين لا يسهرون أبدا في صلوات طويلة أمام الرب من أجل حياتهـــم و خدمتهم و
النفوس المحيطة بهم ، ليس لأنهم ضعفاء صحيا بل فقط لأنهم يحبون النوم جدا ، لذلك
لا يستطيعون أن يجبروا أنفسهم على السهر و الصلاة !! هل تذكرون الرب و هو يصلي و
يصارع في بستان جثسيماني ؟ لقد تركه التلاميذ وحيدا في جهاده و ناموا !! كم كان
هذا قاسيا على نفس الرب حتى قال لهم " أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة
واحدة ؟! " و نفس هذا العتاب يقوله الرب اليوم لكل المؤمنين الذين لا يسهرون معه لأنهم يحبون أنفسهم جدا !!
و نحن
نعرف كثيرين لا يصومون أبدا ليس لأنهم ضعفاء بل لأنهم يحبون أنفسهم جدا لدرجة أنهم
لا يستطيعون أن يمنعوها من الطعام الذي تشتهيه !! لكننا نقرأ عن دانيال أنه صام
ثلاثة أسابيع لم يتناول طعاما شهيا ، و عكف على الصلاة كل الوقت المتاح له لكي
يعرف مشيئة الله تجاه شعبه ، و نقرأ عن موسى و إيليا و الرب يسوع أنهم صاموا حتى أربعين
يوما من أجل عمل الله العظيم في حياتهم ، إذا كنا نريد أن نكون نافعين للسيد
فلا يكفي عندئذ أن نكون شجعان بل ينبغي أن نتعلم كيف ننكر أنفسنا في وقت الجهاد .
و أن نقمع الجسد و نستعبده لكي نتمم مشيئة الله على أكمل وجه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق