لا يكن لك آلهة أخرى
" أنا الرب إلهك ... لا يكن لك آلهة أخرى أمامي " ( خر 20: 3 )
هناك معنى
عميق لاسم الله الذي أعلن به نفسه لشعب إسرائيل : " يهوه " ، و هي كلمة
عبرية مركبة تتكون من ثلاثة مقاطع مأخوذة من ثلاث كلمات عبرية تعني " الذي
كان في الماضي " و " الذي هو موجود في الحاضر " و " الذي سوف
يكون في المستقبل " ، إن هذا الاسم يعلن للإنسان عن الإله الأزلي الأبدي
القائم بذاته في كل وقت و كل مكان ، بعيدا عن أدراك الإنسان المحدود و أعلى جدا من
فهمه الضيق .
لو استطاع
خيال الإنسان أن يخترق حجب المستقبل البعيد و ينظر إلى الأوضاع المستقبلية الكائنة
في رحم الغيب فسوف يجد " الله " هناك سيدا و مالكا لكل شئ . و إذا تفكر
الإنسان في حاضره بكل جوانبه و ألغازه ووقائعه فسوف يجد " الله " قائما
في وسط الواقع و متحكما فيه ، و إذا رجع الإنسان بذاكرته إلى الماضي السحيق
بأحداثه الجسام فسوف يجد " الله " مسيطرا و موجها لكل شئ ، إنه "
يهوه " الذي كان و الكائن و الذي يأتي ، سواء نظر الإنسان إلى جذوره أو تفكر
في حاضره أو تطلع إلى قادم أيامه فسوف يسمع " الله " يقول له " أنا
هو إلهك .. يهوه " ، إنه الإله الذي يحاصر وجود الإنسان ولا يستطيع أحد أن
يهرب من حقيقة وجوده ، إنه " يهوه " الموجود دائما .
هذه
الحقيقة التي بنيت عليها الوصية الأولى من وصايا جبل سيناء ، الله يقول للإنسان
" أنا هو الرب إلهك ، لا يوجد غيري يتحكم في وجودك ، لذلك لا ينبغي أن يكون
لك آلهة أخرى أمامي "
معنى الوصية
إذا كان
الله فعلا كما أعلن عن نفسه ، الكائن و الذي كان و الذي يأتي ، فينبغي عندئذ أن
يكون موضوع العبادة الوحيد . إذا كان فعلا " يهوه " الإله الذي يحتوي
وجود الإنسان فالوصية عندئذ تكون أمرا إلهيا ملزما ، و يكون من الطبيعي أن يعبد
الإنسان الإله الذي أوجده ، و يكون من غير الطبيعي و غير المبرر أن يعبد آلهة أخرى
إلى جانب " يهوه " العظيم . إذا كان إعلان الله عن نفسه حقيقيا
فالله عندئذ يكون كافيا للإنسان لا يحتاج معه إلى آلهة أخرى ، لا يوجد إله آخر
يشترك مع " يهوه " في كفايته للإنسان ، و أي إنسان عرف " الله
" الحقيقي لا يطيق أن يجعل آلهة أخرى أمام الرب ، لذلك أعلن " الله
" نفسه للإنسان في مجده الكامل و كفايته المطلقة ، و على هذا الإعلان أسس
الوصية الأولى " لا يكن لك لآلهة أخرى أمامي " .
الإنسان يحتاج إلى إله
كل إنسان
يحتاج على إله ، و لا يوجد إنسان بدون إله ، في مكان ما من القلب يوجد غله ما ، في
جانب معين من الحياة ستجده يعبد إلها ما ، الإنسان خلق ليعبد كما خلق الطائر ليطير
، إن طبيعة تكوين الإنسان و جوهر وجوده يتطلب مركزا للعبادة حتى يستطيع أن يمارس
وجوده .
و كل كيان
الإنسان يشارك في العبادة ، كل الطاقات و كل المشاعر و كل الأفكار تدور حول موضوع
العبادة الموجود في مركز الحياة ، قد يكون
إلها مزيفا لكن للأسف كل الكيان يدور حوله !! و السؤال الذي يفرض نفسه هنا : هل
الحياة تدور في فلك " الله " الحقيقي أو حول إله مزيف ؟
هناك في
مكان ما من حياتك يوجد غله ما ، غرض ما أنت تدور حوله ، هدف ما تسعى نحوه ، شئ ما
أنت تعبده !! عندما يفقد الإنسان عبادة الله الحقيقي يتحول تلقائيا لعبادة نفسه ،
و ما أكثر الذين يعبدون أنفسهم في أيامنا هذه ، كل وقتهم و قواهم و أفكارهم تدور
حول أنفسهم ، يعملون دائما مرضاة ذواتهم .
أصنام الأمس و اليوم
في كل
الأحوال يطلب الإنسان لنفسه إلها أو ملكا يحدد له برنامج حياته ، و يرتب له
أولوياته ، و يعطيه أسلوب الحياة ، و يطلب منه الطاعة و الخضوع ، و عندما فقد
الإنسان علاقته بيهوه المبارك حاول أن يضع مكانه آلهة أخرى مثل " مولوك
" و " بعل " و " مامون " آلهة الأمم القديمة ، عبادة
" مولوك " هي عبادة القوة القاسية المتجبرة ، و عبادة " بعل "
ترتبط بالإغراق في أوحال الشهوة و النجاسة ، و " مامون " هو إله الذهب و
المال . و أليست هذه هي نفس الآلهة التي يعبدها الإنسان في يومنا هذا ؟! أنظر إلى
الحروب و الجرائم القاسية المتفشية في
مجتمعاتنا ، أليست هذه ذبائح بشرية تقدم على مذبح " مولوك " إله القسوة
و العنف ؟! و انظر إلى آلاف الساقطين و الساقطات المتسكعين في الشوارع الخلفية و
علب الليل ، أليسوا ضحايا عبارة " بعل " ؟! و محبة المال التي تزداد في
كل يوم و تغزو كل القلوب ، أليست هي نفسها عبادة " مامون " إله الذهب
القديم ؟! كما يقول بولس إننا نعيش في جيل يعبد بطنه ( في 3 : 19 ) ماذا نأكل ؟
ماذا نشرب ؟ هذه هي آلهتنا المعاصرة التي لا تختلف في جوهرها عن أصنام الأمم
القديمة . " يهوه " هو وحده إلهك
الذي يحاصر وجودك و يبقيك على قيد الحياة ، ليس المال و لا الشهوات و لا أي شئ آخر
، من فضلك اختل بنفسك دقائق قليلة ، و افحص نفسك في ضوء الوصية الأولى : " من
هو إلهك ؟ حول أي شئ تدور حياتك ؟ " لو كانت الإجابة أي شئ إلا " الله
" فأنا أرجوك بحق السماء و لأجل خيرك أن تكسر كل صنم ، و تطرد من حياتك كل
إله آخر ، و لتعبد " يهوه " الذي هو هو أمسا و اليوم و إلى الأبد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق