الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


لا يكن لك آلهة أخرى
                 " أنا الرب إلهك ...  لا يكن لك آلهة أخرى أمامي "    ( خر 20: 3 )
        هناك معنى عميق لاسم الله الذي أعلن به نفسه لشعب إسرائيل : " يهوه " ، و هي كلمة عبرية مركبة تتكون من ثلاثة مقاطع مأخوذة من ثلاث كلمات عبرية تعني " الذي كان في الماضي " و " الذي هو موجود في الحاضر " و " الذي سوف يكون في المستقبل " ، إن هذا الاسم يعلن للإنسان عن الإله الأزلي الأبدي القائم بذاته في كل وقت و كل مكان ، بعيدا عن أدراك الإنسان المحدود و أعلى جدا من فهمه الضيق .
        لو استطاع خيال الإنسان أن يخترق حجب المستقبل البعيد و ينظر إلى الأوضاع المستقبلية الكائنة في رحم الغيب فسوف يجد " الله " هناك سيدا و مالكا لكل شئ . و إذا تفكر الإنسان في حاضره بكل جوانبه و ألغازه ووقائعه فسوف يجد " الله " قائما في وسط الواقع و متحكما فيه ، و إذا رجع الإنسان بذاكرته إلى الماضي السحيق بأحداثه الجسام فسوف يجد " الله " مسيطرا و موجها لكل شئ ، إنه " يهوه " الذي كان و الكائن و الذي يأتي ، سواء نظر الإنسان إلى جذوره أو تفكر في حاضره أو تطلع إلى قادم أيامه فسوف يسمع " الله " يقول له " أنا هو إلهك .. يهوه " ، إنه الإله الذي يحاصر وجود الإنسان ولا يستطيع أحد أن يهرب من حقيقة وجوده ، إنه " يهوه " الموجود دائما .
        هذه الحقيقة التي بنيت عليها الوصية الأولى من وصايا جبل سيناء ، الله يقول للإنسان " أنا هو الرب إلهك ، لا يوجد غيري يتحكم في وجودك ، لذلك لا ينبغي أن يكون لك آلهة أخرى أمامي "
معنى الوصية
        إذا كان الله فعلا كما أعلن عن نفسه ، الكائن و الذي كان و الذي يأتي ، فينبغي عندئذ أن يكون موضوع العبادة الوحيد . إذا كان فعلا " يهوه " الإله الذي يحتوي وجود الإنسان فالوصية عندئذ تكون أمرا إلهيا ملزما ، و يكون من الطبيعي أن يعبد الإنسان الإله الذي أوجده ، و يكون من غير الطبيعي و غير المبرر أن يعبد آلهة أخرى إلى جانب " يهوه " العظيم . إذا كان إعلان الله عن نفسه حقيقيا فالله عندئذ يكون كافيا للإنسان لا يحتاج معه إلى آلهة أخرى ، لا يوجد إله آخر يشترك مع " يهوه " في كفايته للإنسان ، و أي إنسان عرف " الله " الحقيقي لا يطيق أن يجعل آلهة أخرى أمام الرب ، لذلك أعلن " الله " نفسه للإنسان في مجده الكامل و كفايته المطلقة ، و على هذا الإعلان أسس الوصية الأولى " لا يكن لك لآلهة أخرى أمامي " .

الإنسان يحتاج إلى إله
        كل إنسان يحتاج على إله ، و لا يوجد إنسان بدون إله ، في مكان ما من القلب يوجد غله ما ، في جانب معين من الحياة ستجده يعبد إلها ما ، الإنسان خلق ليعبد كما خلق الطائر ليطير ، إن طبيعة تكوين الإنسان و جوهر وجوده يتطلب مركزا للعبادة حتى يستطيع أن يمارس وجوده .
        و كل كيان الإنسان يشارك في العبادة ، كل الطاقات و كل المشاعر و كل الأفكار تدور حول موضوع العبادة الموجود في  مركز الحياة ، قد يكون إلها مزيفا لكن للأسف كل الكيان يدور حوله !! و السؤال الذي يفرض نفسه هنا : هل الحياة تدور في فلك " الله " الحقيقي أو حول إله مزيف ؟
        هناك في مكان ما من حياتك يوجد غله ما ، غرض ما أنت تدور حوله ، هدف ما تسعى نحوه ، شئ ما أنت تعبده !! عندما يفقد الإنسان عبادة الله الحقيقي يتحول تلقائيا لعبادة نفسه ، و ما أكثر الذين يعبدون أنفسهم في أيامنا هذه ، كل وقتهم و قواهم و أفكارهم تدور حول أنفسهم ، يعملون دائما مرضاة ذواتهم .

أصنام الأمس و اليوم
        في كل الأحوال يطلب الإنسان لنفسه إلها أو ملكا يحدد له برنامج حياته ، و يرتب له أولوياته ، و يعطيه أسلوب الحياة ، و يطلب منه الطاعة و الخضوع ، و عندما فقد الإنسان علاقته بيهوه المبارك حاول أن يضع مكانه آلهة أخرى مثل " مولوك " و " بعل " و " مامون " آلهة الأمم القديمة ، عبادة " مولوك " هي عبادة القوة القاسية المتجبرة ، و عبادة " بعل " ترتبط بالإغراق في أوحال الشهوة و النجاسة ، و " مامون " هو إله الذهب و المال . و أليست هذه هي نفس الآلهة التي يعبدها الإنسان في يومنا هذا ؟! أنظر إلى الحروب  و الجرائم القاسية المتفشية في مجتمعاتنا ، أليست هذه ذبائح بشرية تقدم على مذبح " مولوك " إله القسوة و العنف ؟! و انظر إلى آلاف الساقطين و الساقطات المتسكعين في الشوارع الخلفية و علب الليل ، أليسوا ضحايا عبارة " بعل " ؟! و محبة المال التي تزداد في كل يوم و تغزو كل القلوب ، أليست هي نفسها عبادة " مامون " إله الذهب القديم ؟! كما يقول بولس إننا نعيش في جيل يعبد بطنه ( في 3 : 19 ) ماذا نأكل ؟ ماذا نشرب ؟ هذه هي آلهتنا المعاصرة التي لا تختلف في جوهرها عن أصنام الأمم القديمة .  " يهوه " هو وحده إلهك الذي يحاصر وجودك و يبقيك على قيد الحياة ، ليس المال و لا الشهوات و لا أي شئ آخر ، من فضلك اختل بنفسك دقائق قليلة ، و افحص نفسك في ضوء الوصية الأولى : " من هو إلهك ؟ حول أي شئ تدور حياتك ؟ " لو كانت الإجابة أي شئ إلا " الله " فأنا أرجوك بحق السماء و لأجل خيرك أن تكسر كل صنم ، و تطرد من حياتك كل إله آخر ، و لتعبد " يهوه " الذي هو هو أمسا و اليوم و إلى الأبد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق