الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


المسيح الخادم
" أنا السيد و المعلم قد غسلت أرجلكم ... أنا بينكم كالذي يخدم "
( يو 13 : 14 ، لو 22 : 27 )
        كل شئ كان مهيئا للعشاء الأخير ، حتى الماء اللازم لغسل أرجل الضيوف مثل العادة المتبعة آنذاك ، لكن لم يكن هناك " الخادم " الذي يقوم بهذا العمل ، كل واحد انتظر الآخر ، ولا واحد من التلاميذ قرر أن يضع نفسه و يقوم بهذا العمل ، كانوا جالسين إلى المائدة و أذهانهم تمتلئ بالأفكار " من عسى أن يكون الأعظم فيهم " !! عندئذ قام الرب عن العشاء و خلع ثيابه و أخذ منشفة و اتزر بها ثم صب ماء في مغسل و ابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ، مشهد عجيب !! لا شك أن الملائكة كانت تتطلع إليه بمزيد من الدهشة و الخشوع ، المسيح خالق و ملك كل الخليقة ، الذي بإشارة منه تهرع جيوش الملائكة لتخدمه ، الذي كان يستطيع بكلمة محبة واحدة أن يشير إلى أي تلميذ لكي يقوم بهذه المهمة ، يختار أن يأخذ هو نفسه مكان الخادم و يتناول الأقدام المتسخة بين يديه الطاهرتين و يغسلها !!
                              عبد بصفته إبنا !!
        لقد فعل يسوع هذا بإدراك كامل لمجده السماوي كابن الله ، لأن يوحنا يقول : " يسوع و هو عالم أن الآب قد دفع كل شئ إلى يديه و أنه من عند الله خرج و إلى الله يمضي ، قام عن العشاء " . لا يوجد شئ حقير أو قذر بالنسبة لهاتين اليدين اللتين دفع الله كل شئ إليهما ، لأن حقارة العمل لا تنقص من قدر العامل ، الإنسان هو الذي يرفع شأن العمل و يضفي عليه القيمة و التقدير حتى لو كان أحقر الأعمال ، لقد صار عبدا بصفته ابنا !! و لأنه يدرك أنه الابن الحبيب الذي دفع إليه الآب كل شئ لم يجد صعوبة في أن يتنازل إلى هذا الحد !! بل قد وجد في هذا العمل المذل مجدا سماويا و طريقا إلى البركة  الحقيقية !!
        عندما أخذ الرب مكان الخادم كان يرسخ مبدأ الاتضاع في كنيسته ن من يريد أن ينال المزيد من النعمة ينبغي أن يجد فرحه في أن يكون خادما للكل " من أراد أن يكون فيكم أولا فليكن لكم عبدا .... و أكبركم يكون خادما لكم ط ( مت 20 : 27 ، 23 : 11 ) . كلما ازداد تمثلي بالمسيح تنازلت أكثر لكي أخدم كل المحيطين بي ، أعيش و أتحرك في وسط أبناء الله خادما للكل ،  أطلب الخير للآخرين باتضاع و استعداد للعطاء و ليس بتعال و اهتمام بكرامتي ، عندئذ فقط أكون سبب بركة لهم و تابعا حقيقيا للمسيح .
        و الخادم لا يعتبر عمله اتضاعا و لا يخجل من أن يكون آخر الكل ، هذا هو مكانه الطبيعي ، و عمله العادي هو أن يخدم الآخرين ، إن السبب في أننا لا نسبب بركة للآخرين هو أننا نحب أن نخدمهم باعتبارنا أعلى منهم في القامة و النعمة ، أو على الأقل مساوين لهم ، لكن لو تعلمنا من ربنا أن نتعامل مع الآخرين بروح الخادم فسنكون سبب بركة عظيمة للعالم كله !! و عندما تحتل روح الخادم مكانها الصحيح في وسط كنيسة المسيح عندئذ سيرى الجميع مجد حضور الله في الوسط .
غسل مزدوج
        و غسل الأقدام يشير إلى أمرين : الأول هو غسل و ترطيب الجسد و الثاني هو خلاص و تطهير النفس ، أثناء حياة الرب على الأرض كان هذان العملان متلازمين دائما : " العمي يبصرون .... و المساكين يبشرون " ( مت 11 : 5 ) و كما فعل مع المفلوج كان دائما شفاء الجسد عربونا لخلاص النفس .
        و تلميذ المسيح لا ينبغي أن ينسى هذا الحق المزدوج عندما يطيع وصية المسيح : " يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض " ( يو 13 : 14 ) ينبغي أن يتذكر دائما أن خدمة الجسد الخارجي هي المدخل لخدمة النفس في الداخل ، إن خلاص النفس هو الغرض الأساسي من خدمة المحبة هذه ، و تلميذ الرب ينبغي أن يكون مستعدا لشق طريقه إلى النفس من خلال قيامه بأعمال المحبة العادية قليلة الشأن في الحياة اليومية .
        الخادم الحقيقي لا يعبر عن خدمته باللوم و التقريع ، كلا ، بل بالمحبة و العطف مع كل المتعامل معهم ، و رغبته في أن يخدمهم و يساعدهم تشهد بأنه خادم حقيقي و تلميذ للمسيح ، مثل هذا الخادم إذا تكلم تأتي كلماته مصحوبة بتأثير ينفذ بسهولة للنفس ، و عندما يواجه خطية و عناد و مقاومة الآخرين لا يفشل بل يتشجع عندما يتذكر كم تعامل الرب معه بصبر كثير و طول أناة ، بل و مازال الرب يتعامل معه كل يوم و يغسله و ينقيه ، لذلك هو لا يفشل بل يعتبر نفسه واحدا من خدام الله الذين أقامهم ليخدموا و يخلصوا الإنسان و لينحنوا على الأقدام ليغسلوها لو لزم الأمر !!
        بالنسبة للمحبة لا يوجد شئ صعبا ، المحبة لا تتحدث أبدا عن تضحيتها ، إنها تخدم الإنسان حتى لو كان غير مستحق للخدمة ، المحبة هي القوة التي جعلت يسوع خادما ، و هي التي تجعلنا نواصل خدمتنا مهما كانت التكلفة .





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق