المسيح الخادم
" أنا السيد و المعلم قد غسلت أرجلكم ... أنا بينكم كالذي يخدم "
( يو 13 : 14 ، لو 22 : 27 )
كل شئ كان
مهيئا للعشاء الأخير ، حتى الماء اللازم لغسل أرجل الضيوف مثل العادة المتبعة
آنذاك ، لكن لم يكن هناك " الخادم " الذي يقوم بهذا العمل ، كل واحد
انتظر الآخر ، ولا واحد من التلاميذ قرر أن يضع نفسه و يقوم بهذا العمل ، كانوا
جالسين إلى المائدة و أذهانهم تمتلئ بالأفكار " من عسى أن يكون الأعظم فيهم
" !! عندئذ قام الرب عن العشاء و خلع ثيابه و أخذ منشفة و اتزر بها ثم صب ماء
في مغسل و ابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ، مشهد عجيب !! لا شك أن الملائكة كانت تتطلع
إليه بمزيد من الدهشة و الخشوع ، المسيح خالق و ملك كل الخليقة ، الذي بإشارة منه
تهرع جيوش الملائكة لتخدمه ، الذي كان يستطيع بكلمة محبة واحدة أن يشير إلى أي
تلميذ لكي يقوم بهذه المهمة ، يختار أن يأخذ هو نفسه مكان الخادم و يتناول الأقدام
المتسخة بين يديه الطاهرتين و يغسلها !!
عبد بصفته إبنا !!
لقد فعل
يسوع هذا بإدراك كامل لمجده السماوي كابن الله ، لأن يوحنا يقول : " يسوع و
هو عالم أن الآب قد دفع كل شئ إلى يديه و أنه من عند الله خرج و إلى الله يمضي ،
قام عن العشاء " . لا يوجد شئ حقير أو قذر بالنسبة لهاتين اليدين اللتين دفع
الله كل شئ إليهما ، لأن حقارة العمل لا تنقص من قدر العامل ، الإنسان هو الذي
يرفع شأن العمل و يضفي عليه القيمة و التقدير حتى لو كان أحقر الأعمال ، لقد صار
عبدا بصفته ابنا !! و لأنه يدرك أنه الابن الحبيب الذي دفع إليه الآب كل شئ لم يجد
صعوبة في أن يتنازل إلى هذا الحد !! بل قد وجد في هذا العمل المذل مجدا سماويا و
طريقا إلى البركة الحقيقية !!
عندما أخذ
الرب مكان الخادم كان يرسخ مبدأ الاتضاع في كنيسته ن من يريد أن ينال المزيد من
النعمة ينبغي أن يجد فرحه في أن يكون خادما للكل " من أراد أن يكون فيكم أولا
فليكن لكم عبدا .... و أكبركم يكون خادما لكم ط ( مت 20 : 27 ، 23 : 11 ) . كلما
ازداد تمثلي بالمسيح تنازلت أكثر لكي أخدم كل المحيطين بي ، أعيش و أتحرك في وسط
أبناء الله خادما للكل ، أطلب الخير للآخرين
باتضاع و استعداد للعطاء و ليس بتعال و اهتمام بكرامتي ، عندئذ فقط أكون سبب بركة
لهم و تابعا حقيقيا للمسيح .
و الخادم
لا يعتبر عمله اتضاعا و لا يخجل من أن يكون آخر الكل ، هذا هو مكانه الطبيعي ، و
عمله العادي هو أن يخدم الآخرين ، إن السبب في أننا لا نسبب بركة للآخرين هو أننا
نحب أن نخدمهم باعتبارنا أعلى منهم في القامة و النعمة ، أو على الأقل مساوين لهم
، لكن لو تعلمنا من ربنا أن نتعامل مع الآخرين بروح الخادم فسنكون سبب بركة عظيمة
للعالم كله !! و عندما تحتل روح الخادم مكانها الصحيح في وسط كنيسة المسيح عندئذ
سيرى الجميع مجد حضور الله في الوسط .
غسل مزدوج
و غسل
الأقدام يشير إلى أمرين : الأول هو غسل و ترطيب الجسد و الثاني هو خلاص و تطهير
النفس ، أثناء حياة الرب على الأرض كان هذان العملان متلازمين دائما : "
العمي يبصرون .... و المساكين يبشرون " ( مت 11 : 5 ) و كما فعل مع المفلوج
كان دائما شفاء الجسد عربونا لخلاص النفس .
و تلميذ
المسيح لا ينبغي أن ينسى هذا الحق المزدوج عندما يطيع وصية المسيح : " يجب
عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض " ( يو 13 : 14 ) ينبغي أن يتذكر دائما أن خدمة
الجسد الخارجي هي المدخل لخدمة النفس في الداخل ، إن خلاص النفس هو الغرض الأساسي
من خدمة المحبة هذه ، و تلميذ الرب ينبغي أن يكون مستعدا لشق طريقه إلى النفس من
خلال قيامه بأعمال المحبة العادية قليلة الشأن في الحياة اليومية .
الخادم
الحقيقي لا يعبر عن خدمته باللوم و التقريع ، كلا ، بل بالمحبة و العطف مع كل
المتعامل معهم ، و رغبته في أن يخدمهم و يساعدهم تشهد بأنه خادم حقيقي و تلميذ
للمسيح ، مثل هذا الخادم إذا تكلم تأتي كلماته مصحوبة بتأثير ينفذ بسهولة للنفس ،
و عندما يواجه خطية و عناد و مقاومة الآخرين لا يفشل بل يتشجع عندما يتذكر كم
تعامل الرب معه بصبر كثير و طول أناة ، بل و مازال الرب يتعامل معه كل يوم و يغسله
و ينقيه ، لذلك هو لا يفشل بل يعتبر نفسه واحدا من خدام الله الذين أقامهم ليخدموا
و يخلصوا الإنسان و لينحنوا على الأقدام ليغسلوها لو لزم الأمر !!
بالنسبة
للمحبة لا يوجد شئ صعبا ، المحبة لا تتحدث أبدا عن تضحيتها ، إنها تخدم الإنسان
حتى لو كان غير مستحق للخدمة ، المحبة هي القوة التي جعلت يسوع خادما ، و هي التي
تجعلنا نواصل خدمتنا مهما كانت التكلفة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق