الاثنين، 12 ديسمبر 2011


ظُلِم .. فتذلَّل !!
«ظُـلم أما هو فتـذلل ولم يفتح فـاه... على أنه لم يعمل ظلماً» (أش53: 7، 9)
ما أقسى لحظة الإحساس بالظلم!! مرارة في الحلق وجرح في القلب واضطراب في المشاعر، كل القيم تتداعى أمام العيون لحظة الإحساس بالظلم، يفقد الإنسان إيمانه بكل المبادئ لحظة الإحساس بالظلم، تميد الأرض تحت الأقدام لحظة الإحساس بالظلم، من الصعب جداً أن يظل الإنسان محتفظاً بتوازنه لحظة الإحساس بالظلم!!
كيف يسلك الإنسان بعد إذا كان ما سلكه في الماضي قد أُسيء فهمه، كيف يتصرف بعد إذا كانت أفضل تصرفاته قد جلبت عليه العار، ما هو الصواب إذا كان الصواب قد تحول في حكم الناس إلى خطأ، ما هو الحق إذا كان كل ما اعتقد أنه حق قد تحول في عيون الناس إلى باطل، كيف يحب فيما بعد إذا كانت محبته قد قُوبلت بالكراهية، كيف يتكلم بعد اكتشافه أن كلماته اكتسبت معانٍ لم يقصدها، كيف يعيش في وسط الناس بعد أن اكتشف أنهم كانوا يحيكون له المؤامرات كل الوقت، كيف وكيف... حقاً ما أقسى لحظة الإحساس بالظلم!!
 لحظة الإحساس بالظلم لحظة قاسية تدفع الإنسان لاتخاذ رد فعل عنيف، ويتراوح رد الفعل بين مواجهة الظلم بظلم أشد بهدف الانتقام وبين الانكسار والانطواء والاستسلام للشكوى والرثاء للنفس وفقدان الثقة في أي شيء، وبينهما عشرات ردود الأفعال المتدرجة في شدتها، لكن في كل الأحوال لابد من رد فعل وإلا تحول الإحساس المكبوت بالظلم إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في صاحبها أو في الآخرين في أي وقت!!
لكن عندما أرفع عينيّ إليك يا سيدي وأنت تواجه الظلم أجد رد فعل مختلفاً، أجدك تواجه الظلم برباطة جأش كأنك كنت تتوقعه وتنتظره، وكيف لا وأنت تعلم أن العالم قد وُضع في الشرير، أجدك لم تسمح للإحساس بالظلم أن يدفعك لأي تصرف غير محسوب، كنت تمسك بزمام نفسك وتحفظها في رضا الآب، لم تواجه الظلم بظلم فأنت الذي لم تعمل ظلماً ولا وُجد في فمك غش، ولم تواجه الظلم بثورة أو غضب أو حتى شكوى، بل لم ينجح الظلم في دفعك للكفِّ عن المحبة التي أحطت بها حتى ظالميك!!
أجدك يا سيدي تتصرف برد فعل لم يعرفه البشر من قبل، هو في حقيقته فعل وليس رد فعل، أجدك سيدي تتذلل وتحني رأسك للظلم وتقبله ليس عن ضعف بل عن إيمان وتسليم، إيمان بأن الآب هو ضابط الكل المُمسك بزمام كل الأمور في يديه، وهو العادل الذي له النقمة ويعرف كيف يعيد الحق لأصحابه، وتسليم كامل لمشيئته الصالحة التي قد تسمح أحياناً بالظلم ولكنها دائماً تحوِّله للخير، وهذا ما حدث فعلاً عندما تحوَّل ظلم الإنسان لشخصك سبباً للخلاص وتحوَّل الصليب باباً للنجاة، وأعاد الآب حقك كاملاً عندما رفَّعك وأعطاك اسماً فوق كل اسم لتجثو باسمك كل ركبة في السماء والأرض وتحت الأرض.
ليتك تعطينا هذا الإيمان والتسليم يا سيدي!! لنعرف كيف نتصرف أمام الظلم الذي نواجهه يومياً في عالم لا يعرف الحق ولا يفهم العدل ولا يقبل الاستقامة، لنظل ثابتين على مبادئك، فاعلين لمشيئتك، راسخين في محبتك، فاعلين الخير للجميع!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق