الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


أقسام الأرض السفلى
" و أما أنه صعد فما هو إلا أنه نزل أيضا أولا إلى أقسام الأرض السفلى ، الذي نزل هو الذي صعد أيضا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل "
 ( أف 4 : 9  10 )
          ما ابعد المسافة بين " أقسام الأرض السفلى " و " فوق جميع السموات " !! بين أعماق ما وصل إليه الإنسان من خطية و ظلمة و موت و ما وصل إليه ابن الإنسان من مجد و قوة و سلطان ، هذه المساقة الشاسعة قطعها سيدي عندما نزل إلى أقسام الأرض السفلى بالصليب ثم قام ليصعد فوق جميع السموات ، مكرسا لنا بجسده طريقا حديثا يصل بنا من عمق خطايانا إلى قمة المجد في السموات !!
        كان نزول يسوع إلى أعماق الموت و اللعنة ضرورة حتمية لكي يرتفع إلى مركزه رئيسا  و مخلصا للإنسان في سقوطه نزل إلى أعماق سفلى من الظلمة و الموت ، و على من يريد أن يفدي الإنسان أن ينزل إليه في تلك الأعماق عينها ، و يدفع هناك من حياته ثمن خطية الإنسان و ثمن عودته إلى الله .
        حياة الإنسان على الأرض لها أقسام مختلفة للعمق ، منها الحياة الظاهرة التي تبدو لعيون الآخرين ، و تلك الحياة يحرص الإنسان أن يظهر فيها أفضل ما عنده من سلوكيات ، و هناك تحت هذه الحياة يوجد قسم الحياة الباطنة التي لا يراها إلا صاحبها و يحرص إلا يراها غيره ، و هي منطقة أفكار القلب و تصوراته الخفية و التي تدور كلها حول الذات مملوءة أنانية و شهوة و حسدا ، و تحت هذه الحياة الباطنة توجد أقسام سفلى غارقة في الظلمات لا يراها أحد و لا حتى صاحبها !!  لا يراها إلا الله ، و هي روح الإنسان المائتة بالخطية و المملوءة رفضا لله ، هذه الروح قيدها إبليس بالخطية و أغلق عليها سجنا تحت قصاص من الله ، و من خلال تحكم إبليس في تلك الأعماق السفلى في الإنسان أصبح رئيسا و إلها للعالم كله .
        و هكذا أصبح الإنسان يسلك في الظاهر مسلكا جميلا و تلتمع في ذهنه أفكار تبدو مشرقة بينما روحه ترسف في مرارة المر ، فظل الجميع ت خوفا من الموت ـ تحت العبودية .
        كل الأنبياء و المصلحين و المفكرين تعاملوا مع الأقسام السطحية للإنسان ، و حاولوا أن يعدلوا من مسلكه و يحسنوا من أفكاره ، أما الأقسام السفلى الموغلة في الظلمة و الموت فقد ظلت بعيدة عن متناول أي إنسان ، لأنه لا يوجد من يراها ، و إذا رآها أحد فلا يوجد من يدفع ثمن تحريرها لأن الكل شركاء في المديونية ، إذ الجميع زاغوا و فسدوا معا . 
        حتى جاء يسوع إلى العالم ليخلص ما قد هلك ، أحب الإنسان بكل مناطق حياته و تعامل مع الأرض بكل أقسامها ، تلك التي يراها الإنسان و يفهمها و تلك التي لا يراها و لا يفهمها ، تعامل مع سلوك الإنسان فقدم لنا أعظم تعليم عن السلوك في العظة على الجبل ، و تعامل مع خفايا الذات الباطنة فكان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان ، و لكنه لم يتوقف هنا بل رأيناه ينزل إلى أعماق الإنسان المملوءة عظام أموات و كل نجاسة ، فرأينا الأرواح النجسة تفك قيودها عن الإنسان و تخرج صارخة ، و تنحل ربط المرض و الضعف عن أرواح الناس و أجسادهم ، و عرف الإنسان مدى خطيته و فساده وحاجته للميلاد الجديد .
        و كان دخوله إلى تلك الأعماق دخولا إلى المنطقة المحرمة ، إلى مغاليق الهاوية التي ظلت كل الدهور مغلقة في وجه أي نور ، كان دخولا إلى جحر الأفعى و مركز سيادة إبليس على العالم ، لذلك كان طبيعيا أن يواجه يسوع كل ثورة الجحيم ضده ، و بسلطان إبليس على أرواح الناس حرك أعماقهم لتقاوم الرب و تحاربه بشراسة فتجمعت ثورة هذه الأعماق و تجسدت في الصليب عندما سمروا يديه و رجليه .
        و قد كان الثمن مزدوجا ، كان عليه أن يدفع لله ثمن خطية الإنسان حتى يرضي عدالته ، و كان عليه أن يقبل مقاومة قوات الجحيم لعمله ، و لقد دفع سيدي الثمن المزدوج كاملا ، احتمل الصليب مستهينا بالخزي فجلس في يمين عرش الله ، و احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه ( عب 12 : 2 ، 3 ) حتى تناثرت دماؤه على جدران السجن الداخلي الموجود في قلب كل إنسان و تخضبت روح الإنسان بدماء الراعي الصالح الذي بذل نفسه عن خرافه.
        و لم تستطع كل قوى إبليس أن تمسك يسوع في القبر ، لأن سلطان إبليس على الإنسان ـ سلطان الموت ـ ليس سلطانا مطلقا بل مرتبطا بوجود الخطية في الإنسان ، و لأن يسوع ليس فيه خطية لذلك لم يكن ممكنا أن يمسك من الموت ( أع 2 : 24 ) لذلك قام ناقضا أوجاع الموت معلنا انتصاره على كل قوات الجحيم التي قيدت أرواح الناس و أذلتهـــم ، و فاتحا أعماق الإنسان لكي تنطلق روحه و تتمتع بالشركة مع الله ، ثم صعد على العلاء ، لكي يعد لنا مكانا أبديا في بيت الآب .
        لقد نزل لأجلنا و صعد لأجلنا ، نزل إلى أقسام الأرض السفلى ليدفع هناك ثمن تحريرنا ثم صعد فوق جميع السموات كسابق لأجلنا ليصنع لنا مكانا في رضا الله و مجده .
        عزيزي القارئ : لا أستطيع أن أهنئك بعيد القيامة إلا  إذا كنت قد قمت مع المسيح فعلا ، و لا يمكن أن تكون " بخير " في كل عام إلا إذا كانت روحك قد تحررت من أسر الخطية و تمتعت بالغفران و أصبح لها مكان في السماويات ، هل نزل يسوع بنوره إلى أقسامك السفلى و فك قيود روحك ؟ هل رش دمه الثمين على روحك المذنبة و أعطاك صك الغفران ؟ هل بنوره رأيت نورا فخرجت إلى حرية أبناء الله و دخلت في شركة حقيقية مع الله ، هل أستطيع أن أقول لك : كل سنة و أنت طيب ؟! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق