الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011



السعي نحو الله (2)
بقلم:أ.و.توزر
ترجمة الأخ : فخرى كرم
علماء الفلك والطبيعة يرتكبون عادة خطأ ساذجاً ولكنه مميت، إذ أنهم يسعون باجتهاد لمعرفة خفايا وعجائب الخليقة في الوقت الذي لا يبذلون أي مجهود لمعرفة الخالق نفسه والدخول في شركة معه، في وسط انبهارهم الشديد بعظمة الخليقة يفوتهم أن يتعرَّفوا على الخالق العظيم، وبسبب انهماكهم بدراسة قوانين الحياة يفقدون الحياة!!
 لكن للأسف نحن المؤمنون نكرر نفس الخطأ في حياتنا، فالمؤمنون اليوم يبذلون مجهوداً كبيراً لاكتشاف الخفايا والكنوز الموجودة في كلمة الله ولا يبذلون ذات المجهود للتقرُّب إلى الله نفسه صاحب الكلمة، في وسط انهماكهم في استخراج التعاليم والتأملات من ثنايا الكلمة المكتوبة يفوتهم أن ينالوا قوة الحياة من «الكلمة» الحي بذاته، وبسبب انبهارهم بما في الكلمة من كنوز يفقدون الكنز الحقيقي ألا وهو معرفة الله والدخول في شركة لصيقة معه!!
ونتيجة هذا الخطأ الساذج والمميت هو ما نراه اليوم من تدهور في أوساطنا الروحية، فكنائسنا امتلأت بالأفكار الرائعة والتعاليم الثمينة بينما المستوى الروحي لأفرادها في تدهور مضطرد، أصبحت هناك فجوة تتسع باستمرار بين ما نقول وما نفعل، بين إيماننا وسلوكنا، بين ما نعتقده وما نعيشه فعلاً!!
أيها الأحباء نحن ينبغي أن نسعى نحو الله في حياتنا اليومية ونبذل مجهودنا للتعرُّف على شخصه والدخول في شركة معه، وهذا ينبغي أن يكون سعينا الأول وهدفنا الأسمى قبل أي سعي آخر في الحياة.
شخصية الله
دعونا لا ننسى أن الله هو شخصية حية وليس مجرد تعاليم أو مبادئ، عندما خلقنا على صورته خلق لكلٍ منا شخصيته الخاصة، وهذا يؤكد أنه هو (تبارك اسمه) صاحب شخصية خاصة لها كل سمات الشخصية التي نعرفها مثل الفكر والإرادة والمشاعر، وإن كانت هذه السمات كاملة في شخصية الله ولا يشوبها النقص الذي يشوب شخصياتنا المخلوقة.
ومن أهم سمات الشخصية السوية التي خلقها الله فينا هي الرغبة في التواصل مع الشخصيات الأخرى، ومفهوم التواصل هو رغبة كل شخصية في تقديم نفسها للآخرين والاتساع لقبول الآخرين بداخل نفسها، كل شخصية تسعى لأن تكون مقبولة من الآخرين ولأن تقبل هي الآخرين، أن تُحَب وتُحِب، وبدون هذا التواصل تشعر الشخصية بالخواء والجفاف والوحشة، لذلك فشخصيتنا تسعى كل الوقت لهذا التواصل مع الآخرين، وما المجتمع الإنساني إلا مجموعة من محاولات التواصل بين الأفراد وبعضها، وهذا التواصل له درجات متفاوتة، فهناك تواصل سطحي مؤقت وهناك تواصل يصل إلى حد الإتحاد بين الشخصيتين والذوبان في بعضهما!!
وإذا كان الله قد خلق فينا هذه الرغبة في التواصل فلاشك أنها موجودة في شخصه تبارك اسمه، إن الله ليس بعيداً عنا بل هو شخصية حية تشتاق للتواصل مع خليقته، إنه يشتاق أن يعلن نفسه في داخلنا وأن يحملنا في داخله، يشتاق أن يكون معروفاً فينا وأن نكون معروفين فيه، الله لا يُسر بأن نعرف عنه حقائق أو تعاليم لكنه يُسر بأن نسعى نحوه ونحبه وندخل في شركة متبادلة معه، وقيمة حياتنا الروحية لا تُقاس بحجم ما نعرفه عن الله بل بحجم تواصلنا الحي مع شخصه، ومسيحيتنا ستكون حقيقية بقدر ما يكون سعينا نحو الله حقيقياً، وللحديث بقية (يتبع)  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق