لماذا تضربني...لماذا تضطهدني؟!
«أجابه يسوع: إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردي، وإن حسناً فلماذا
تضربني؟» (يو18: 23)
«فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً له: شاول شاول لماذا تضطهدني؟» (أع9: 4)
نريد أن نتوقف بكل خشوع
ورغبة في التعلُّم أمام هذا السؤال الفاحص الذي سأله الرب مرتين لمضطهديه، مرة
لخادم رئيس الكهنة الذي لطمه على وجهه الكريم دون وجه حق، ومرة لشاول الطرسوسي
الذي تفنَّن في تعذيب المسيحيين دون وجه حق أيضاً، فربنا له المجد لم يسأل هذا
السؤال ليحظى بإجابة من مضطهديه، فهو يعلم أنهم لن يستطيعوا الإجابة عليه، وفي
المرتين لم ينطق أحدهما بإجابة لهذا السؤال، لكن ربنا في وداعته ومحبته سأل هذا
السؤال ليعطي لمضطهديه فرصة لاكتشاف أنفسهم والتوبة عن مسلكهم الشائن، سأل هذا
السؤال ليكون نوراً فاحصاً لضمير مضطهديه يكشف لهم أعماقهم الرديئة، فلو كان أحدهم
أميناً مع نفسه ويريد الإجابة على هذا السؤال فلابد أن يكتشف بشاعة الوحش الكامن
في أعماقه، هذا الوحش الذي يسكن في داخل كلٍ منا ينتظر الفرصة للظهور والافتراس
(رو3: 9-18)!!
في داخل كل إنسان كيان
وحشي يرغب في افتراس الآخرين، يشعر بلذة حين يغتصب ويسحق، ينتشي حين يشعر بخوف
الآخرين منه، ينتفخ ويتعظم في عيني نفسه حين يدوس على مَن هو أضعف منه، إنه نفسه
منطق وحوش الغابة الذين يتغذون على الكائنات الأضعف منهم، إن شريعة الغاب مازالت
تسكن أحشاء الإنسان رغم إدعاء التمدن والتحضر!! فهذا الخادم اعتقد أن ربنا في موقف
ضعيف فوجدها فرصة ليشعر ولو لدقائق بلذة القوة الظالمة، وشاول كان يشعر بنشوة أنه
ممثل الأغلبية في مواجهة أقلية ضعيفة غير قادرة على الدفاع عن نفسها فأرخى لنفسه
العنان في الاغتصاب والسحق!!
تستطيع أن ترى هذا
الوحش في مَن يرفع صوته في النقاش لكي يُرهب محدِّثه ويغلبه في الكلام ويفرض عليه
رأيه، وتراه في الزوج الذي يستغل قوته الجسدية فيضرب زوجته ويهينها، وتراه في
الرجل الذي يستغل ضعف ضحيته فيعتدي على طفل أو يغتصب فتاة، وتراه في الموظف الذي
يستغل منصبه لكي يضطهد الأقل منه ويبخسهم حقهم، وتراه في المسئول الذي يستغل منصبه
ليسرق قوت الآخرين ويكنزه لنفسه، تراه في مَن يمسك بسلاح لكي يرهب الآمنين ويسلبهم
ممتلكاتهم وينتشي بالخوف الذي يظهر في عيونهم، تراه في الأغلبية حين تشعر بوهم
القوة فتسحق الأقلية و تنهب أمتعتهم وتحرق دور عبادتهم!!
ننحني عند قدميك يا
سيدنا لأنك الوحيد الذي لم نرَ هذا الوحش في أعماقك، فأنت لم ترفع صوتك قط لترهب
محدثيك ولم يسمع أحد في الشوارع صوتك، لم تستخدم قوتك الإلهية قط في السحق
والإيذاء بل كانت دائماً قوة تحرير وشفاء، نسجد أمامك يا سيدنا لأن لطمة هذا
الخادم لم تستثر فيك غيظاً أو حقداً بل أظهرت حباً ووداعة وأنت تسأله هذا السؤال،
وعندما سقط شاول أمامك على أبواب دمشق لم تستغل لحظة ضعفه وتنتقم منه بل سألته ذات
السؤال بذات المحبة والوداعة!!
أعطنا يا سيدي أن نحكم
على هذا الوحش في أعماقنا ونصلبه أمامك كل أيام حياتنا، أحفظنا من أن نستغل ثغرات
وضعفات الآخرين للتعالي عليهم، أعطنا أن تكون قوتنا قوة لبناء الآخرين لا لهدمهم،
وإذا تعرضنا لقسوة وظلم المحيطين بنا لا تسمح أن تتحرك بداخلنا نوازع البغضة
والانتقام بل نتشبَّه بك في محبتك ووداعتك ونكتفي بأن نواجه الضمائر بذات السؤال
الفاحص: «لماذا تضربني..لماذا تضطهدني»؟!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق