الخميس، 15 ديسمبر 2011


مع المسيح صُلبت
« مع المسيح صُلبت ، فأحيـا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ » (غل2: 20)
الصليب ليس حدثاً تاريخياً نتأمل فيه ونستخلص منه العظات ، ولا هو عقيدة نؤمن بها ونرفع لها الرايات ، ولا هو تعويذة دينية ننطق بها في وقت الأزمات ، لكن الصليب قوة روحية يستخدمها الله لتشكيل حياتنا بشكل متواصل و مستمر ، الصليب منهج للحياة اليومية ومنطق ينبغي أن يحكم كل تصرفاتنا .
كما أن المسيحية بدون الصليب ليست مسيحية ولا تختلف عن أي ديانة بشرية أخرى هكذا المسيحي بدون عمل الصليب في حياته ليس مسيحياً ولا يختلف عن أي إنسان أخر ، لم يطلب الرب من تابعيه أن يؤمنوا بالصليب أو يتأملوا فيه بل أن يحملوه ، أن يشعروا بثقله على كيانهم حتى يتغلغل فيهم ويترك بصمته في أعماقهم ، أن يسيروا خلف سيدهم في ذات الطريق الصاعدة إلى الجلجثة ، وعزاؤهم أن الطريق لا تنتهي في الجلجثة بل تمتد بعدها إلى داخل الأقداس عينها ومنها تصعد إلى يمين العظمة في الأعالي ، فموت الصليب هو الموت الذي يؤدي إلى الحياة !!
لماذا الصليب ؟!
الصليب هو حكم الله بالموت على الإنسان العتيق بداخلنا (رو6:6) يوجد في داخلنا إنسان عتيق فاسد أخذناه بالميلاد من آدم ، هذا الإنسان يشغل كل أعماقنا ويحتل كل الكيان ، يسيطر على قوانا ويشغِّلها لحسابه ، يتحكّم في أفكارنا ومشاعرنا ويوجِّهها لمشيئته ، ومشيئته هي أن تسير الحياة في طريق مبتعد عن الله ، أن تدور في دائرة محورها الذات وليس الله .
هذا الإنسان قوي جداً حتى أنه يضع كل البشر تحت سلطانه ، وسر قوته هو أنه موجود بداخلنا بشكل طبيعي وتلقائي ، يجري فينا مجرى الدم ، لا يحتاج إلى مجهود ليتكلم إلينا فصوته حاضر دائماً في أذهاننا ، وأعضاؤنا تتجاوب مع فكره وتنفذه بتلقائية وبساطة لأنه « ساكن » في أعضائنا (رو7: 23) يقول عنه الرسول أنه يحارب فكر الله الموجود في أذهاننا ويسبينا إلى فعل الخطية ، وكلمة « يسبي » تعني أن هذا الإنسان قوي جداً وهو دائماً المنتصر في حربه معنا ويأخذنا « أسرى » لتتميم مشيئته !! كيف يمكن إذاً للمؤمن أن يعيش بحسب فكر الله في ظل وجود هذا الإنسان العتيق ؟! لا توجد إلا إجابة واحدة
مع المسيح صُلبت
عندما أخذ الرب يسوع مكاننا أمام الله وحمل إثم جميعنا صدر عليه حكم الموت ، وهو - له المجد - أطاع هذا الحكم حتى الموت موت الصليب ، فالله لا يحكم على هذا الإنسان العتيق إلا بالموت ، لا يمكن التعـامل معه أو التفاهم بشأنه ، فهو غير قابل للإصلاح أو التعليم ، لا ينفع معه عقاب أو تأديب ، ليس له مكان إلا الصليب .
وهكذا مات سيدي على الصليب نيابة عني وعنك ، وعندما أرفع عيني لأراه معلقاً على الصليب أرى حكم الله على إنساني العتيق ، أرى ذاتي القبيحة معلَّقة معه هناك ، وينبغي عندئذ أن أقبل حكم الله هذا وأقرُّ بأني أستحق هذا الحكم ، ومن هذه اللحظة يصبح الصليب قائماً بيني وبين الإنسان العتيق بداخلي ، سأتعامل معه من هذه اللحظة كأنه مصلوب ، كأنه مجرم محكوم عليه بالموت والعار ، العار الذي لحق بسيدي على الصليب ينبغي بالأحرى أن يلحق بإنساني العتيق ، ينبغي أن أنظر إليه بازدراء واحتقار ،  لن أستمع له ثانية ولن أصدِّق فكره مرة أخرى ، لن أتجاوب معه أو أنفِّذ مشيئته ، سوف أختار بكامل حريتي أن أطيع الله وأتمم مشيئته في حياتي ، بكل إرادتي سأكون « عبداً » ليسوع المسيح وليس « أسيراً » لناموس الخطية والموت ، سأضع كياني وقواي كلها تحت سلطان روح المسيح الساكن فيّ ، سأختار في كل يوم أن تكون « أعضائي » آلات بر لله  وهكذا ستسري فيّ قوة روح المسيح وتقودني لملء حياة المسيح ، ألم نقل أن موت الصليب هو الموت المؤدي للحياة ؟!
صُلبت فأحيا !!
عندما يفقد الإنسان العتيق سلطانه على حياتي بالصليب يصير المجال مفتوحاً لاستقبال سلطان روح الحياة ، فلا يمكن أن يتسع الكيان لسلطانين ولا يستطيع أحد أن يخدم سيدين ، لا يمكن لروح الله أن يمارس سلطانه على كيان مازال يخضع لسلطان الخطية والموت ، لا يمكن أن أحيا إلا إذا صُلبت أولاً !! والحياة التي سأحياها بعد الصليب ستكون حياة المسيح نفسه لأنها حياة تخضع لسلطانه ومشيئة روحه ، سيعمل بيّ المسيح ما كان سيعمله لو كان موجوداً بالجسد على الأرض ، حتى يمكنني القول : المسيح يحيا فيّ !!
مؤمنون كثيرون للأسف مازالوا يخضعون لسلطان الإنسان العتيق ، لم يفهموا معنى الصلب مع المسيح ولم يختبروا حكم الموت على كيانهم الفاسد ، مازالوا يتعاطفون مع ذواتهم ولا يصدقون أنه لا يسكن فيهم شيء صالح ، يحاولون التفاهم معها وأحياناً يصدقون منطقها وأفكارها رغم أنها مضادة لفكر الله على طول الخط !! لا يفهمون أن هذا الكيان عدو لهم فتراهم يحاولون ترويضه أو على الأقل التعايش معه بسلام !! لذلك لا عجب إن كانت حياتهم تعاني من الضعف الدائم وعدم وضوح عمل الله بداخلهم ، الروح حزين فيهم لأنهم متصالحون مع عدو حكم الله عليه بالموت !!
أخي المؤمن ، لم يعد السؤال هو : « هل تؤمن بالصليب » ؟ لكن السؤال الآن هو : « هل تعيش الصليب » ؟ هل اختبرت معنى الموت عن الجسد والحياة في طاعة الله ؟ هل تستطيع أن تقول بصدق : مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ ؟ وكل عام وأنت بخير.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق