حمل الله
" هوذا حمل الله الذي
يرفع خطية العالم " ( يو 1 : 29 )
عندما
يقول الكتاب عن الرب يسوع أنه " حمل الله " فهو يقصد معنيين أساسيين
لهذا اللقب ، أولهما هو طبيعة مهمته أي تقديم نفسه ذبيحة عن خطايانا مثل الحمل ، و
ثانيهما هو طبيعة شخصه الوديع و الرقيق مثل الحمل .
عندما كان
يسوع على الأرض قال " تعالوا إلى يا جميع المتعبين و الثقيلي الأحمـال و أنا
أريحكم ، احملوا نيري عليكم و تعلموا مني لأني وديع و متواضع القلب فتجدوا راحة
لنفوسكم ، لأن نيري هين و حملي خفيف " ( متى 11 : 28 ـ 30 ) .
لم يقصد
الرب أن الوداعة هي إحدى صفاته التي يجب أن نتمثل بها ، بل أنها هي صفة شخصه
الرئيسية و جوهر شخصيته التي ينبغي أن نتعلمها إذا أردنا راحة لنفوسنا .
لقد أتى
الرب يسوع لكي يخلصنا من الخطية ، و الخطية تتركز في صفة واحدة هي محبة الذات و
الكبرياء ، هذه كانت خطية الملائكة الساقطين ، كانوا مخلوقين ليجدوا ذواتهم في
الله وحده ، لكنهم بدأوا ينظرون إلى ذواتهم و يفتخرون بقدراتهم التي أعطاهم الله
إياها ، حتى أنهم شعروا أن خضوعهم لله أصبح نوعا من المذلة و القيد لذواتهم !!
لقد
اهتموا بذواتهم أكثر من اهتمامهم بالله ، و طلبوا مجد ذواتهم أكثر من مجد\ الله ،
و عندئذ سقطوا في حماة العصيان ، الكبرياء و محبة الذات حولتهم من ملائكة إلى
شياطين ، و طردتهم من السماء إلى الجحيم ، و بدلت النور و البركة السماوية إلى
ظلمة و لعنة أبدية .
و عندما
خلق الله الإنسان جاء إبليس لكي يقود هذا الإنسان للسقوط في عبرة العصيان هذه
عينها ، كان جوهر تجربة الحية لحواء هو تحويل اهتمامها من الله إلى ذاتها ، و مع
الكلمات التي نفثتها في أذن حواء كانت تنفث سموم الكبرياء و محبة الذات في نفسها .
و منذ
استمع الإنسان لغواية الحية أصبحت محبة الذات هي الجذر لكل خطية يرتكبها ، حياته
أصبحت مبنية على أثبات الذات و إرادة الذات و متعة الذات ، الذات أصبحت هي الإله
الذي يعبده الإنسان ، و هذه الذات تشبه الحية الرقطاء التي لها آلاف الرؤوس ، مصدر
لآلاف الخطايا و التعديات .
لكي يصير
الرب يسوع هو مخلصنا ينبغي أن يخلصنا من أمر واحد ينبغي أن يخلصنا من ذواتنا !!
ينبغي أن يميت فينا الذات و أن ينهي الحياة التي تدور حول الذات ، و يعطينا مرة
أخرى الحياة التي تدور حول الله حتى يقال " ليس أحد منا يعيش لذاته و لا أحد
يموت لذاته ، لأننا إن عشنا فللرب نعيش و إن متنا فللرب نموت " ( بو 14 : 7 ،
8 ) هذا هو الطريق الوحيد لراحة نفوسنا .
حمل الله وحده يعطينا الوداعة
لا يوجد
سبيل آخر للخلاص من الذات سوى السبيل الذي فتحه لنا حمل الله بنفسه لنوال الحياة
الجديدة ، حياة إنكار الذات و الوداعة ، ينبغي أن تكون هي صفتنا الأساسية و جوهر
شخصيتنا ، بهذا فقط يستطيع الله أن يحتل مرة أخرى مكانه الصحيح في حياتنا، و يصبح
مرة أخرى الكل في الكل في حياة الإنسان .
هذا هو
السبب الذي دفع الرب يسوع لأن يأتي إلى عالمنا في صورة " حمل الله " ،
لقد أعاد إلى الأرض الوداعة و تواضع القلب و طاعة الله ، هذه الأشياء التي لم تكن
موجودة على الأرض آنذاك و لذلك أتى بها من السماء .
في السماء
نجد الرب يسوع يتضع كابن لله أمام الآب لكي يرسله لخلاص العالم ، لقد وضع نفسه لكي
يصير إنسانا ، و عندما صار إنسانا وضع نفسه مرة أخرى و أطاع حتى الموت موت الصليب
، كحمل الله أنكر نفسه بوداعة سماوية تفوق كل أفكارنا ليصبح خادما لله و الناس من
أجل مجد الله و خلاص الإنسان ، هذا الاتضاع هو الذي ميز حياته و كان جوهر معاناته
و سبب انتصاره انتصارا كاملا على الخطية ، نعم إنه حمل الله الذي رفع خطية العالـم
.
وداعة الحمل تعطي القيمة لدمه
هذا هو
سبب القيمة الثمينة لدم المسيح ، لقد ضرب الخطية في جذورها و أصابها في مقبل ، و
انتصر انتصارا مجيدا على أصل داء الإنسان و هو الذات ، لقد أعطى ذاته لإرادة الآب
و طوال حياته و تحت أصعب التجارب قدم نفسه ذبيحة لأجل مجد الله بوداعة و تواضع قلب
و صبر ، الأمور التي كانت سبب سرور الآب و كل ملائكته القديسين .
لقد فعل
كل هذا بصفته حمل الله ، و توج كل أعماله بسفك دمه أجرة للخطية و تطهيرا لنفوسنا ،
لهذا السبب يرتفع التسبيح في السماء لهذا الدم ، دم حمل الله ، و لهذا السبب أجلسه
الآب في وسط العرش بصفته " الخروف المذبوح " .
ينبغي أن
نتعلم أنه لا يوجد سبيل آخر للسماء إلا بتواضع القلب و إنكار الذات و الحياة في
وداعة يسوع حمل الله .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق