الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


حمل الله
                   " هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم " ( يو 1 : 29 )
        عندما يقول الكتاب عن الرب يسوع أنه " حمل الله " فهو يقصد معنيين أساسيين لهذا اللقب ، أولهما هو طبيعة مهمته أي تقديم نفسه ذبيحة عن خطايانا مثل الحمل ، و ثانيهما هو طبيعة شخصه الوديع و الرقيق مثل الحمل .
        عندما كان يسوع على الأرض قال " تعالوا إلى يا جميع المتعبين و الثقيلي الأحمـال و أنا أريحكم ، احملوا نيري عليكم و تعلموا مني لأني وديع و متواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم ، لأن نيري هين و حملي خفيف " ( متى 11 : 28 ـ 30 ) .
        لم يقصد الرب أن الوداعة هي إحدى صفاته التي يجب أن نتمثل بها ، بل أنها هي صفة شخصه الرئيسية و جوهر شخصيته التي ينبغي أن نتعلمها إذا أردنا راحة لنفوسنا .
        لقد أتى الرب يسوع لكي يخلصنا من الخطية ، و الخطية تتركز في صفة واحدة هي محبة الذات و الكبرياء ، هذه كانت خطية الملائكة الساقطين ، كانوا مخلوقين ليجدوا ذواتهم في الله وحده ، لكنهم بدأوا ينظرون إلى ذواتهم و يفتخرون بقدراتهم التي أعطاهم الله إياها ، حتى أنهم شعروا أن خضوعهم لله أصبح نوعا من المذلة و القيد لذواتهم !!
        لقد اهتموا بذواتهم أكثر من اهتمامهم بالله ، و طلبوا مجد ذواتهم أكثر من مجد\ الله ، و عندئذ سقطوا في حماة العصيان ، الكبرياء و محبة الذات حولتهم من ملائكة إلى شياطين ، و طردتهم من السماء إلى الجحيم ، و بدلت النور و البركة السماوية إلى ظلمة و لعنة أبدية .
        و عندما خلق الله الإنسان جاء إبليس لكي يقود هذا الإنسان للسقوط في عبرة العصيان هذه عينها ، كان جوهر تجربة الحية لحواء هو تحويل اهتمامها من الله إلى ذاتها ، و مع الكلمات التي نفثتها في أذن حواء كانت تنفث سموم الكبرياء و محبة الذات في نفسها .
        و منذ استمع الإنسان لغواية الحية أصبحت محبة الذات هي الجذر لكل خطية يرتكبها ، حياته أصبحت مبنية على أثبات الذات و إرادة الذات و متعة الذات ، الذات أصبحت هي الإله الذي يعبده الإنسان ، و هذه الذات تشبه الحية الرقطاء التي لها آلاف الرؤوس ، مصدر لآلاف الخطايا و التعديات .
        لكي يصير الرب يسوع هو مخلصنا ينبغي أن يخلصنا من أمر واحد ينبغي أن يخلصنا من ذواتنا !! ينبغي أن يميت فينا الذات و أن ينهي الحياة التي تدور حول الذات ، و يعطينا مرة أخرى الحياة التي تدور حول الله حتى يقال " ليس أحد منا يعيش لذاته و لا أحد يموت لذاته ، لأننا إن عشنا فللرب نعيش و إن متنا فللرب نموت " ( بو 14 : 7 ، 8 ) هذا هو الطريق الوحيد لراحة نفوسنا .

حمل الله وحده يعطينا الوداعة
        لا يوجد سبيل آخر للخلاص من الذات سوى السبيل الذي فتحه لنا حمل الله بنفسه لنوال الحياة الجديدة ، حياة إنكار الذات و الوداعة ، ينبغي أن تكون هي صفتنا الأساسية و جوهر شخصيتنا ، بهذا فقط يستطيع الله أن يحتل مرة أخرى مكانه الصحيح في حياتنا، و يصبح مرة أخرى الكل في الكل في حياة الإنسان .
        هذا هو السبب الذي دفع الرب يسوع لأن يأتي إلى عالمنا في صورة " حمل الله " ، لقد أعاد إلى الأرض الوداعة و تواضع القلب و طاعة الله ، هذه الأشياء التي لم تكن موجودة على الأرض آنذاك و لذلك أتى بها من السماء .
        في السماء نجد الرب يسوع يتضع كابن لله أمام الآب لكي يرسله لخلاص العالم ، لقد وضع نفسه لكي يصير إنسانا ، و عندما صار إنسانا وضع نفسه مرة أخرى و أطاع حتى الموت موت الصليب ، كحمل الله أنكر نفسه بوداعة سماوية تفوق كل أفكارنا ليصبح خادما لله و الناس من أجل مجد الله و خلاص الإنسان ، هذا الاتضاع هو الذي ميز حياته و كان جوهر معاناته و سبب انتصاره انتصارا كاملا على الخطية ، نعم إنه حمل الله الذي رفع خطية العالـم .
وداعة الحمل تعطي القيمة لدمه
        هذا هو سبب القيمة الثمينة لدم المسيح ، لقد ضرب الخطية في جذورها و أصابها في مقبل ، و انتصر انتصارا مجيدا على أصل داء الإنسان و هو الذات ، لقد أعطى ذاته لإرادة الآب و طوال حياته و تحت أصعب التجارب قدم نفسه ذبيحة لأجل مجد الله بوداعة و تواضع قلب و صبر ، الأمور التي كانت سبب سرور الآب و كل ملائكته القديسين .
        لقد فعل كل هذا بصفته حمل الله ، و توج كل أعماله بسفك دمه أجرة للخطية و تطهيرا لنفوسنا ، لهذا السبب يرتفع التسبيح في السماء لهذا الدم ، دم حمل الله ، و لهذا السبب أجلسه الآب في وسط العرش بصفته " الخروف المذبوح " .
        ينبغي أن نتعلم أنه لا يوجد سبيل آخر للسماء إلا بتواضع القلب و إنكار الذات و الحياة في وداعة يسوع حمل الله .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق