الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


حراسات الليل
" و كان في تلك الكورة رعاة  متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم "
( لو 2 : 8 )
في الليل ...
يغشى العيون النعاس،
و تتحرك الذئاب للافتراس،
و تبقى الغنم..
أمنة في عيون الحراس !!


       

بينما كانت كل فئات الشعب تخلد للنوم ف يتلك الليلة المشهودة كانت هناك فئة واحدة اختارها الله لكي يبشرها بميلاد المخلص ، فئة ساهرة في البرية تغلب النوم و لا تستسلم للنعاس لكي تحفظ الرعية المنوط بهم حراستها ، فئة من الناس يعرفون أخطار الليل من اللصوص و الذئاب التي تحوم بحثا عن فريسة ، و يعرفون أخطار البرية من جوع و عطش التي لو تاه فيها خروف في لحظة تغفل عنه عين الراعي فلن تكتب له السلامة أبدا ، و يعرفون ضعف الخراف و كيف أن كل قوتها تكمن في الراعي و كل تعزيتها في عصاه و عكازه ، لذلك فهم لا يسمحون لعيونهم أن تغفل بل يظلون ساهرين لحراسة خرافهم التي تخلد للنوم في سلام غير مبالية بأية أخطار تحيط بها ، دافعهم الوحيد هو أمانتهم و محبتهم للرعية .
        لقد اختار الله هذه الفئة ليكونوا أول من يستمعون إلى البشارة لأنهم يرمزون إلى فئة مشابهة موجودة في العالم الروحي ، فئة تجدها دائما عندما يحل الليل و تكتنف الظلمة الروحية كل الأجواء ، فئة تجدها في برية هذا العالم حيث تكثر الأخطار ، تجدهم يحيطون برعية الرب و يحرسونها من كل شر ، لا يعطون لعيونهم نوما و لا لأجسادهم راحة بل يسهرون على سلامة شعب الرب الذي هو مطمع لكل روح ردئ ، يطعمون الجائع و يعصبون الجريح و يجبرون الكسير ، يبحثون عن الضال و يستردون المطرود ، يبذلون نفوسهم عن الخراف إذا لزم الأمر ، و دافعهم في هذا هو محبتهم للرب و لشعبه ، كل عملهم في الظلمة حيث لا يستطيع أحد أن يراهم أو يميز عملهم ، لذلك فهم لا يلقون مديحا من أحد بل كل جزائهم سيكون من الرب عندما يسترد وديعته بسلام .
        كان هناك نفر من هذه الفئة ضمن الشعب الغارق في ظلمته ، يرجع إليهم الفضل في حفظ بقية من الأتقياء في وسط برية الارتداد القاحلة ، و هذا أحدهم :
                " و كان رجل في أورشليم اسمه سمعان ، و هذا الرجل كان بارا تقيا ينتظر تعزية إسرائيل و الروح القدس كان عليه "      ( لو 2 : 25 )
        و لأنه كان ساهرا ينتظر تعزية إسرائيل لذلك كان يحق له أن يرى بالروح القدس هذه التعزية رغم كونها لم تعلن بعد للجميع ، إذ أتى بالروح إلى الهيكل و إذ رأى الصبي أخذه على ذراعيه و بارك الله ، و بينما الكل يرون مجرد صبي صغير إلا أن سمعان رأى فيه خلاص الرب الذي أعده أمام وجه جميع الشعوب ، نور إعلان للأمم و مجدا لشعب إسرائيل !! و إذ كان يوسف و مريم قد تعجبا مما قاله سمعان إلا أنه لا وجه للعجب لأننا نعلم أن الله أراه مسبقا ما يزمع أن يفعله ، لأنه كان ساهرا منتظرا لهذا العمل و حارسا لرعية الرب مهيئا الأرض لمجئ المخلص .
        و بسبب الظلمة الكثيفة المحيطة بتلك الأيام لم نستطع أن نميز وجود سمعان و عمله إلا مع أول خيوط فجر الإعلان !! طوبى له لأنه أحد الأمناء الذين حق لهم أن يروا عمل الرب و هو بعد وليد !! و دعونا نرى ساهرا آخر :
   " و كانت نبيه حنة بنت فنوئيل من سبط أشير ، و هي أرملة نحو أربع و ثمانين سنة لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام و طلبات ليلا و نهارا " ( لو 2 : 36 : 38 )
        أربع و ثمانون سنة من الظلام لم تفت في عضدها و لم تسلم جفونها للنعاس !! أربع و ثمانون سنة لم تكف عن انتظار فداء أورشليم بل و استطاعت أن تحفظ حولها جمعا من المنتظرين فداء في أورشليم !! أليست هذه راعية متبدية تحرس حراسات الليل؟! بلى ، لذلك كانت قادرة ـ و جديرة ـ بأن ترى فداء أورشليم و هو بعد في بدايته ، و في تلك الساعة خرجت منها التسبيحة التي ظلت مختزنة في صدرها كل هذه السنين !!
        و نحن الآن في ليل لا يقل عن تلك الأيام القديمة ، و أخطار كثيرة تحدق بشعب الرب و بينما يثقل النعاس عيون الجميع ، هل يرى الرب فينا رعاة لا يخشون خوف البرية و لا ظلمة الليل ، يسهرون على سلامة رعية الرب حتى يأتي ويسترد وديعته ؟! لا شك أن هذه الفئة موجودة و إن كنا لا نراهم و لا نميز عملهم ، لكن طوبى لهم لأنت الرب وحده يراهم و يقدر عملهم و سيجازيهم مع أو خيوط الفجر الآتي ، لأن هؤلاء الذين أحبوه و شاركوه في أيام رفضه من العالم لابد أن يشاركوه أيام ملكه و سلطانه أيضا ، له المجد إلى الأبد .









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق