موضع خلاء
كم تمر الأيام بسرعة
!! أصبح الكل يعاني من عدم الشعور بالوقت ، صار الإنسان يُفاجأ بمرور الزمن ، لا
تكاد تُشرق الشمس حتى تغيب ولا يكاد يبدأ الشهر حتى ينتهي ، لم نكد ننزع زينات
الاحتفال بعام 2005 حتى نستعد الآن لتعليق زينات 2006 !! ما السبب يا ترى في هذه
الظاهرة الغريبة ؟! كيف صارت الأيام تمر هكذا سريعاً رغم أن سرعة دوران الأرض كما
هي ، ومازال يومنا أربع وعشرون ساعة كما كان دائماً ؟!
الزحام
والضجيج
السبب هو أن يوم
إنسان العصر الحالي صار مزدحماً للغاية ، ضجيج وصخب الأحداث المتلاحقة يملأ تفكيره
، تقدم وسائل الإعلام أصبح يستقطب آذان وعيون الناس أربع وعشرين ساعة في اليوم ،
كمية المشاكل والأشخاص والمواضيع التي تصادفنا في اليوم الواحد أضعاف ما كان يصادفه أجدادنا في يومهم ، كم
الأخبار والمعلومات والأقوال التي تصل لأذهاننا اليوم أضعاف ما كان يجول بأذهان
آبائنا في أيامهم ، لم يعد الإنسان قادراً
على الاستمتاع بيومه أو حتى الشعور به ، من بدء النهار يظل ذهنه مشغولاً يدور في
دوامة لا ترحم ، بل من كثرة الأفكار بات الذهن يعمل حتى أثناء النوم مما يجعل
نومنا قلِقاً غير مريح ، يفكر الإنسان اليوم في عدة اتجاهات في وقت واحد ويحاول أن
ينجز عدة أعمـال في مواضع شتّى ، صار فكره مشتتاً ومشاعره موزَّعة ، أصبح مُجهداً
طوال الوقت و سريع الإحساس بالتعب ، وبينما هو في هذه الدوامة تمر الأيام وتفلت
السنون من بين أصابعه دون أن يشعر بها أو يتذوق حلاوتها ، ويصاب بالدهشة الشديدة
عندما تصطدم عيناه فجأة بنتيجة الحائط ويجدها تعلن أن عاماً آخر صار على وشك
الانقضاء !!
مُخطط
شيطاني
لكي تستطيع أذهاننا
أن تستمع لصوت الله الهادئ الخفيف لابد أن تكون في حالة هدوء لا يعكر صفاءه صوت
آخر ، فكر الله لا يستطيع أن يصل إلى أعماقنا إلا في حالة السكينة العميقة أمامه
، لذلك فإبليس يسعى اليوم لزيادة الضجيج
والمشغولية حول الإنسان لكي يحول بينه وبين ساعة هدوء يستمع فيها لكلمة الرب ،
الدوامة العنيفة التي تدور بنا يقف وراءها مُخطط شيطاني لا يريدنا أن نختلي بإلهنا
، ويبدو للأسف أنه نجح في مخططه إلى حد بعيد !! فأصبح من الصعب أن تختلي
بنفسك لدقائق قليلة وترفع قلبك للسماء وتسكِّن نفسك أمام إلهك ، من الصعب جداً أن
تحصل على هدوء الذهن لفترة وجيزة دون أن يقطع هدوءك صوت مزعج أو فكر مربك ، من
النادر اليوم أن تجد مؤمناً يستطيع الاستماع للصوت الهادئ الخفيف ، صارت كلمة الرب
عزيزة في أيامنا ولم تعد هناك رؤيا كثيراً ، ليس لأن الرب لم يعد يتكلم لكن
لأننا لم نعد نسمع !!
العلاج
: موضع خلاء !!
قدم لنا ربنا يسوع
المسيح مثالاً كاملاً للانتصار على هذا المخطط الشيطاني ، لم يسمح قط للأصوات
المحيطة به أن تشوِّش ذهنه وتمنع استماعه لصوت الآب ، كان دائماً يكسر عجلة
الأحداث المتلاحقة التي تحيط به ويذهب يختلي بأبيه لساعات طويلة ، كان يعرف أن قوة
الشركة وقدرة الإصغاء تكمن في « موضع خلاء » !! موضع خالٍ من أصوات البشر وأفكارهم
ومشاعرهم ، خال من محبتهم وبغضتهم ، من رضاهم وذمّهم ، موضع لا يستمع فيه إلا لصوت
الآب فقط ويستطيع أن يسكِّن نفسه في محضره ويقبل فكره في أعمق جزء من نفسه الطاهرة
، كان إنساناً كاملاً لا تحركه الأحداث ولا الأشخاص بل فقط ما يسمعه من الآب (يو5:
30)
عادة
يومية
رغم زحام الناس حوله
وكثرة الأعمال التي يقوم بها يومياً يكتب عنه مرقس : « وفي الصباح باكراً جداً قام
وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلي هناك » (مر1: 35) لم يكن يسمح حتى
لمشغولية الخدمة أن تسلبه ساعات تركيزه أمام الآب في هدوء الصباح الباكر ، ويقول
البشير لوقا أن هذه كانت عادته (لو22: 39) لذلك قيل عنه بالحق : « يوقظ كل صباح ،
يوقظ لي أذناً لأسمع كالمتعلمين » (أش 50: 4،5) بل أحياناً كان يختلي بأبيه في
خلاء الجبل الموحش طوال الليل بعدما مكث وسط ضجيج الناس طوال النهار (مر6: 46 ،
يو8: 1)
وأمام
المشاكل
لم تكن هذه هي عادته
اليومية فحسب بل كان يلجأ للانفراد بأبيه في مواجهة المشاكل الطارئة ، عندما يكون
الإنسان مُجرَّباً أكثر من أي وقت آخر بأن ينجرف مع تيار المخاوف وهياج المشاعر
وردود الأفعال ، نرى هذا جلياً عندما قطع هيرودس الماجن رأس يوحنا المعمدان على
مذبح الشهوة النجسة ، وقدَّم الرأس المباركة بين يدي فتاة راقصة لتعطيها لأم ساقطة
!! كان موقفاً رهيباً يثير الألم والحزن والغضب والغيظ والشعور بالظلم والقسوة
والإحباط ، لكن أمام هذا الموقف يقول البشير متى « فلما سمع يسوع انصرف من هناك في
سفينة إلى موضع خلاء منفرداً » ويضيف مرقس أنه قال لتلاميذه في ذات الموقف
« تعالوا أنتم منفردين إلى موضع خلاء واستريحوا قليلاً » (مت14: 13 ، مر 6: 31)
كان السيد يعلم أن مثل هذه المواقف كفيلة بأن تُفقد الإنسان توازنه وتجرفه في تيار
من المشاعر الصاخبة وتدفعه لردود أفعال غالباً ما تكون غير متوافقة مع مشيئة الله
!! لذلك أراد له المجد أن يهدأ في محضر أبيه ليتخذ رد الفعل الصحيح المتفق مع
مشيئته ، وأراد أن يعلِّم تلاميذه هكذا !!
هلا تعلَّمنا هذا
الدرس ؟! هل من موضع خلاء في حياتنا ؟! هل نطيع سيدنا وندخل إلى مخدعنا ونغلق
أبوابنا عن صخب العالم وضجيجه لنستمع في هدوء لصوت إلهنا ؟ إذا كان « موضع الخلاء
» ضرورياً في القديم فهو الآن أكثر ضرورة وإلحاحاً قبل أن تتسرب أيامنا من بين
أيدينا بلا جدوى !!
فخرى كرم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق