مَنْ هو الإنسان الروحي ؟
أ . و . توزر
إن تقييم
الروحانية يختلف كثيرا بين الجماعات المسيحية المختلفة ، ففي بعض الدوائر يعتبرون
أن الإنسان الروحي هو ذلك الإنسان ذو الشهادة المسموعة الذي لا يكف عن الكلام عن
الأمور الروحية في كل مناسبة و بغير مناسبة !! بينما يعتبر آخرون أن الصخب في
العبادة و التسبيح علامة علي قامة روحية عاليه ، و في بعض الكنائس يعتبرون العضو الذي
يصلي دائما أول المصلين ة تكون صلاته هي الأطول و الأعلى نبرة بين بقية الصلوات هو
الشخص الأكثر روحانية .
و بلا شك
أن الشهادة و الصلاة و التسبيح قد تكون مصاحبة للحياة الروحية لكنها في ذاتها لا
تصنع حياة روحية ، و ليست دليلا عليها .
إن الحياة
الروحية الحقيقية تعبر عن نفسها برغبات قوية في أعماق الإنسان الروحي تفرض نفسها
على واقع حياته و توجه سلوكه نحو مرضاة الله ، الحياة الروحية هي إرادة داخلية
قوية و عميقة و ليست مجرد سلوكيات خارجية ، و دعونا نلقي نظرة على هذه الإرادة:
l
الإنسان الروحي يريد أن يكون مقدسا أكثر من أن يكون سعيدا .
الإنسان الروحي
لا يسعى وراء راحته بل وراء قداسته ، فهو يعلم أن الله سيعطيه الراحة في حينها
عندما يكون مستعدا أو مستحقا لها ، أما القداسة فهي مسئوليته التي ينبغي أن يوليها
كل اهتمامه و اجتهاده .
و في كنائسنا اليوم رغبة جارفة نحو الراحة و
السعادة ، الكل يريد أن يكون سعيدا ، في الصلاة يطالبون الله بالراحة في حياتهم ،
في العبادة و التسبيح يريدون أن يتعزوا و يفرحوا ، في الخدمة يريد\ون كلاما جميلا
منعشا ، الكل يذهب إلى الكنيسة لكي يفرح و ليس لكي يتعلم كيف يكون بارا أمام الله
، يطلبون راحتهم و ليس راحة الله ، و هذا نقص كبير في حياتنا الروحية .
l
الإنسان الروحي يطلب مجد الله و لو على حساب مجده الشخصي .
الإنسان الروحي
يصلي " ليتقدس أسمك " ثم يضيف في قلبه " مهما كانت التكلفة يا رب
" !! إنه يطلب مجد الله بطبيعية و تلقائية كما يستنشق الإنسان الهواء ، إذا
كان هناك اختيار سيؤول لمجد الله يمكنك أن تعتبره قد اتخذه فعلا حتى قبل أن تعرضه
عليه ! فلا يوجد عنده تردد بشأن مجد الله ، فهو يتجه دائما نحو مجد الله بتلقائية
شديدة و ثبات شديد .
l
الإنسان الروحي يريد حمل الصليب .
البعض يظنون أن
الصليب هو تلك المعاناة اليومية التي تصادف كل الناس ، و ينسون أن هذه المعاناة
يتعرض لها الجميع ، المؤمنون و الخطاة . إن الصليب هو تلك المعاناة الإضافية التي
نتعرض لها نتيجة طاعتنا للمسيح ، و هذا الصليب لا يمكن أن نحمله قسرا ، بل نحمله
باختيارنا و بكامل معرفتنا بنتائجه فالصليب هو أن نحتمل نتائج طاعتنا لإرادة
ووصايا المسيح .
l
الإنسان الروحي يرى كل شئ من وجهة نظر الله
الإنسان الروحي
لديه القدرة على وزن كل الأشياء بميزان السماء ثم يتعامل معها بحسب قيمتها في هذا
الميزان ، إنه ينظر للأمور كما ينظر إليها الله .
إن الله ينظر
" إلى " و " في " نفي الوقت !! نظرته لا تتوقف عند السطح بل
يخترقه إلى القلب ، إلى المعنى الحقيقي للأشياء . المؤمن الجسدي ينظر " إلى
" الأشياء فقط فلا يرى إلا السطح لكنه لا يستطيع أن ينظر " في "
داخل الأشياء ، و بالتالي لا يرى حقيقة الأشياء كما يراها الله و بالتالي لا
يستطيع أن يتعامل معها من وجهة نظر الله ، لكن الإنسان الروحي قادر على رؤية ما في
داخل الأشياء و بالتالي يتبنى وجهة نظر الله في معاملاته حتى لو عرضه ذلك للرفض و
المقاومة .
l
المؤمن الروحي يفضل الموت عن الخطأ
علامة أكيدة
للمؤمن الروحي هو عدم مبالاته بعدد سني حياته ، فلا يعنيه كم مر منها و كم بقي
فيها ، فهو لم يعد يحسب السنين بعددها بل بعمقها و نوعيتها . المؤمن الجسدي ينظر
بحسرة للعمر و هو يعبر ، و ينظر للموت بأسى و أسف ، أما المؤمن الروحي فهو
باستمرار يتحرر من جاذبية الأرض و يشتاق للسماء ، لذلك فهو ليس على استعداد أن
يشتري بعض الأيام ليضيفها إلى عمره في نظير تصالحه مع العالم ، إنه يرحب بالموت
لكنه يرفض تماما الخطية ، يمكنك أن تجبره على الموت إذا شئت لكنك لا تستطيع أن
تجبره على الخطأ !! و هذا المبدأ ستراه واضحا جدا في كل حياته العملية .
l
المؤمن الروحي يحب أن يرى الآخرين أفضل منه
لو كانت مشيئة
الله هي أن يرفع أحد إخوته فوقه سيكون هذا من دواعي سروره ، و يكون سعيدا عندما
يشير الجميع إلى إخوته بالبنان بينما لا يشعر به أحد ، لا يوجد حسد في قلبه ، إنه
يريد مشيئة الله ومجده .
l
الإنسان الروحي يعيش بأحكام الأبدية و ليس بأحكام الأرض
o
بالإيمان يرتفع
فوق جاذبية الأرض و مرور الزمن ، يتعلم كيف يعيش بفكره و مشاعره كما لو كان قد ترك
الأرض و انضم إلى ربوات القديسين في كنيسة الأبكار في السماء ، منطق وحكم
الأبدية يحكم حياته كلها و ليس منطق الأرض الزائلة . لذلك فهو يحب أن يكون
نافعا لسيده أكثر من أن يكون مشهورا في هذه الأرض ، و يحب أن يخدم الآخرين أكثر من
أن يخدمه الآخرون .
+ لا يوجد إنسان يستطيع أن يكون روحيا بمجهوده ، كل
هذه الرغبات المقدسة هي عمل الروح القدس في داخل الإنسان الذي يسلم له نفسه و يترك
له حرية العمل في حياته .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق