الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


مَنْ هو الإنسان الروحي ؟
أ . و . توزر
        إن تقييم الروحانية يختلف كثيرا بين الجماعات المسيحية المختلفة ، ففي بعض الدوائر يعتبرون أن الإنسان الروحي هو ذلك الإنسان ذو الشهادة المسموعة الذي لا يكف عن الكلام عن الأمور الروحية في كل مناسبة و بغير مناسبة !! بينما يعتبر آخرون أن الصخب في العبادة و التسبيح علامة علي قامة روحية عاليه ، و في بعض الكنائس يعتبرون العضو الذي يصلي دائما أول المصلين ة تكون صلاته هي الأطول و الأعلى نبرة بين بقية الصلوات هو الشخص الأكثر روحانية .
        و بلا شك أن الشهادة و الصلاة و التسبيح قد تكون مصاحبة للحياة الروحية لكنها في ذاتها لا تصنع حياة روحية ، و ليست دليلا عليها .
        إن الحياة الروحية الحقيقية تعبر عن نفسها برغبات قوية في أعماق الإنسان الروحي تفرض نفسها على واقع حياته و توجه سلوكه نحو مرضاة الله ، الحياة الروحية هي إرادة داخلية قوية و عميقة و ليست مجرد سلوكيات خارجية ، و دعونا نلقي نظرة على هذه الإرادة:
l     الإنسان الروحي يريد أن يكون مقدسا أكثر من أن يكون سعيدا .
الإنسان الروحي لا يسعى وراء راحته بل وراء قداسته ، فهو يعلم أن الله سيعطيه الراحة في حينها عندما يكون مستعدا أو مستحقا لها ، أما القداسة فهي مسئوليته التي ينبغي أن يوليها كل اهتمامه و اجتهاده .
   و في كنائسنا اليوم رغبة جارفة نحو الراحة و السعادة ، الكل يريد أن يكون سعيدا ، في الصلاة يطالبون الله بالراحة في حياتهم ، في العبادة و التسبيح يريدون أن يتعزوا و يفرحوا ، في الخدمة يريد\ون كلاما جميلا منعشا ، الكل يذهب إلى الكنيسة لكي يفرح و ليس لكي يتعلم كيف يكون بارا أمام الله ، يطلبون راحتهم و ليس راحة الله ، و هذا نقص كبير في حياتنا الروحية .
l     الإنسان الروحي يطلب مجد الله و لو على حساب مجده الشخصي .
الإنسان الروحي يصلي " ليتقدس أسمك " ثم يضيف في قلبه " مهما كانت التكلفة يا رب " !! إنه يطلب مجد الله بطبيعية و تلقائية كما يستنشق الإنسان الهواء ، إذا كان هناك اختيار سيؤول لمجد الله يمكنك أن تعتبره قد اتخذه فعلا حتى قبل أن تعرضه عليه ! فلا يوجد عنده تردد بشأن مجد الله ، فهو يتجه دائما نحو مجد الله بتلقائية شديدة و ثبات شديد .
l     الإنسان الروحي يريد حمل الصليب .
البعض يظنون أن الصليب هو تلك المعاناة اليومية التي تصادف كل الناس ، و ينسون أن هذه المعاناة يتعرض لها الجميع ، المؤمنون و الخطاة . إن الصليب هو تلك المعاناة الإضافية التي نتعرض لها نتيجة طاعتنا للمسيح ، و هذا الصليب لا يمكن أن نحمله قسرا ، بل نحمله باختيارنا و بكامل معرفتنا بنتائجه فالصليب هو أن نحتمل نتائج طاعتنا لإرادة ووصايا المسيح .
l     الإنسان الروحي يرى كل شئ من وجهة نظر الله
الإنسان الروحي لديه القدرة على وزن كل الأشياء بميزان السماء ثم يتعامل معها بحسب قيمتها في هذا الميزان ، إنه ينظر للأمور كما ينظر إليها الله .
إن الله ينظر " إلى " و " في " نفي الوقت !! نظرته لا تتوقف عند السطح بل يخترقه إلى القلب ، إلى المعنى الحقيقي للأشياء . المؤمن الجسدي ينظر " إلى " الأشياء فقط فلا يرى إلا السطح لكنه لا يستطيع أن ينظر " في " داخل الأشياء ، و بالتالي لا يرى حقيقة الأشياء كما يراها الله و بالتالي لا يستطيع أن يتعامل معها من وجهة نظر الله ، لكن الإنسان الروحي قادر على رؤية ما في داخل الأشياء و بالتالي يتبنى وجهة نظر الله في معاملاته حتى لو عرضه ذلك للرفض و المقاومة .
l     المؤمن الروحي يفضل الموت عن الخطأ
علامة أكيدة للمؤمن الروحي هو عدم مبالاته بعدد سني حياته ، فلا يعنيه كم مر منها و كم بقي فيها ، فهو لم يعد يحسب السنين بعددها بل بعمقها و نوعيتها . المؤمن الجسدي ينظر بحسرة للعمر و هو يعبر ، و ينظر للموت بأسى و أسف ، أما المؤمن الروحي فهو باستمرار يتحرر من جاذبية الأرض و يشتاق للسماء ، لذلك فهو ليس على استعداد أن يشتري بعض الأيام ليضيفها إلى عمره في نظير تصالحه مع العالم ، إنه يرحب بالموت لكنه يرفض تماما الخطية ، يمكنك أن تجبره على الموت إذا شئت لكنك لا تستطيع أن تجبره على الخطأ !! و هذا المبدأ ستراه واضحا جدا في كل حياته العملية .
l     المؤمن الروحي يحب أن يرى الآخرين أفضل منه
لو كانت مشيئة الله هي أن يرفع أحد إخوته فوقه سيكون هذا من دواعي سروره ، و يكون سعيدا عندما يشير الجميع إلى إخوته بالبنان بينما لا يشعر به أحد ، لا يوجد حسد في قلبه ، إنه يريد مشيئة الله ومجده .
l     الإنسان الروحي يعيش بأحكام الأبدية و ليس بأحكام الأرض
o   بالإيمان يرتفع فوق جاذبية الأرض و مرور الزمن ، يتعلم كيف يعيش بفكره و مشاعره كما لو كان قد ترك الأرض و انضم إلى ربوات القديسين في كنيسة الأبكار في السماء ، منطق وحكم الأبدية يحكم حياته كلها و ليس منطق الأرض الزائلة . لذلك فهو يحب أن يكون نافعا لسيده أكثر من أن يكون مشهورا في هذه الأرض ، و يحب أن يخدم الآخرين أكثر من أن يخدمه الآخرون .
+ لا يوجد إنسان يستطيع أن يكون روحيا بمجهوده ، كل هذه الرغبات المقدسة هي عمل الروح القدس في داخل الإنسان الذي يسلم له نفسه و يترك له حرية العمل في حياته .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق