الخميس، 15 ديسمبر 2011


وكان مساء وكان صباح
« .. وكان ليلاً » ( يو13: 30)
« .. إذ طلعت الشمس » ( مر16: 2)
كل مراحل الخليقة الأولى كانت محكومة بمساء يعقبه صباح ، ظلام يعقبه نور ، فوضى يعقبها ترتيب ، خراب يعقبه عمار ، وكذلك كان الأمر عندما قرر الله أن يتدخل في التاريخ ويضع أساس الخليقة الجديدة في موت وقيامة ربنا يسوع المسيح ، كان هناك مساء حالك أعقبه صباح منير ، ظـلام حزين ومخيف أحاط بصليب الجلجثة ثم شروق مُفرح وبهيج في فجر القيامة ، خراب تغلغل في طبيعة الإنسان الأولى حتى وصل إلى حد الموت والنتانة يعقبه أمر إلهي يخلق طبيعة جديدة على صورة الله في البر وقداسة الحق ، لأن الذي قال قديماً أن يشرق نور من الظلمة في بدء الخليقة الأولى هو نفسه الذي أمر وعلى نفس المنوال أن تشرق في قلوبنا أنوار الخليقة الجديدة (2كو4: 6)
وكان ليلاً !!
كم كانت كلمات الوحي دقيقة ومعبِّرة حين وصفت وقت خروج يهوذا من محضر الرب لإتمام مهمته الدنيئة بالقول « وكان ليلاً » !! فقد كانت ساعة يسودها سلطان الظلمة ، ساعة تجمعت فيها كل ظلمة الطبيعة الساقطة على مدى الأجيال لتوضع على رأس السيد ، الظلمة التي في داخل نفوس كل البشر تتجمع في الأفق لتصنع ليلاً رهيباً ، الليل الذي قال عنه الرب يوماً أنه سيأتي حين لا يستطيع أحد أن يعمل ( يو 9: 4 ) ظلمة أحاطت بنفس المخلص واكتنفت صليبه طوال ساعات تألمه ، ظلمة حجبت وجه الآب عن المخلص المصلوب فاعتصره ألم روحي فاق آلامه الجسدية .
كان هذا الليل الروحي أشد قسوة من ليل الطبيعة البسيط ، كان يعبِّر عن مدى الخراب الذي أصاب نفوس البشر ، لقد تحوَّل الإنسان إلى وحش كاسر تجتذبه رائحة الدماء وتُسرُّه رؤيتها ، وحش رديء يحيا بمنطق الغابة وقانونها ، ليس للعدل مكان في أرضه ولا للرحمة مكان ، صار التنافس على السلطة والمال هو الهدف الأوحد للحياة ، في سبيل هذا الهدف تصير كل الوسائل مباحة حتى الخيانة والغدر ، حتى الكذب والتلوّن ، حتى القتل وسفك الدم !! في سبيل هذا الهدف تُداس نفوس البسطاء في الوحل بلا أي انزعاج في الضمير ، لغة التفاهم صارت لغة القوة والبطش ، لغة التعامل صارت الخداع والكذب ، لم تعد هناك محبة إلا محبة الذات الأنانية ، صارت المصلحة هي دين الإنسان الحقيقي وصار المكسب هو مبدأه في الحياة ، في هذا الليل يمكن المتاجرة بكل شيء حتى بالدين واسم الله ، كل شيء في هذا الظلام صار قابلاً للبيع والشراء حتى نفوس وأجساد الناس ، حتى نفس مخلصنا حاولوا أن يبيعوها في سوق الظلام هذا ، وكان الثمن ثلاثين من الفضة لا غير !!
الاختيار الأول للإنسان
عندما وضع الله الإنسان أمام اختيار الحياة أو الموت وجدناه يختار الموت ويرفض الحياة ، اختار آدم أن يبتعد عن الله مصدر الحياة ويذهب وراء الحية في طريق الموت ، اختار أن يغلق أذنيه عن حق الله ويفتحها لأكاذيب العدو ، وهكذا دخل الإنسان النفق المظلم وبات ينحدر من ظلمة إلى ظلمة ومن ليل إلى ليل ، وعندما أتى ربنا في ملء الزمان كانت الظلمة قد سادت نفوس الناس بالكامل وبات ليلهم حالكاً.
وفي ساعة الظلام هذه اكتشفنا أن اختيار الإنسان الأول مازال سارياً ، هاهو رب الحياة يأتي ويقدم للإنسان فرصة أخرى للإمساك بالحياة والرجوع إلى الله ، فرصة للتوبة ورفض الظلام وقبول النور ، لكن هاهو الإنسان يترك محضر النور باختياره ويخرج إلى الليل ، يترك رب المحبة ويخرج يسعى لسفك الدم ، يدوس الإحسان والكرامة ويطلب فضة الخيانة والعار ، حقاً لقد أثبت الإنسان أن اختيار آدم الأول مازال هو اختيار الإنسان على مدار الأجيال !!
وفي مشهد اختيار درامي يشبه إلى حد بعيد مشهد الاختيار في جنة عدن وقف ربنا المعبود جنباً إلى جنب مع بارباس القاتل لكي يختار الشعب بينهما !! شجرة الحياة جنباً إلى جنب مع شجرة الموت ، معطي الحياة جنباً إلى جنب مع سالب الحياة ، ابن المحبة الأزلية مع ابن الفتنة والقتل ، جوهر الطاعة الكاملة مع رمز العصيان والتمرد ، وماذا كان اختيار الشعب ؟! لقد اختاروا الاختيار الأول الذي اختاره آدم ، اختاروا بارباس ودفعوا بالرب إلى الصليب ، اختاروا طريق الموت وطريق السلام لم يعرفوه !! مَن يستطيع أن يلوم آدم إذن على اختياره أو يدَّعي أننا كنا سنختار اختياراً أفضل لو كنا مكانه ؟! هاهو الإنسان يثبت في ملء الزمان أن الظلام والموت والابتعاد عن الله هم اختياره الأول و الدائم !!
.. إذ طلعت الشمس !!
لكن شكراً لله لأن كل ليل لابد أن يعقبه نهار ، وليل الخليقة لابد أن يتبعه صباح ، وكم كانت كلمات الوحي معبِّرة ودقيقة وهي تصف صباح القيامة بهذه الكلمات « .. إذ طلعت الشمس » !! نعم ، لقد أمر الله أن يشرق نور من قلب الظلام ، أن تُخلق طبيعة جديدة في داخل كياننا العتيق المظلم ، طبيعة تعرف الله وتحبه ، طبيعة تشتاق للنور وتتبعه ، طبيعة تحب الحياة وتختارها ، طبيعة يكون الله هو اختيارها الأول والدائم ، نعم ، لقد طلعت شمس الحياة الدافئة في فجر القيامة لتبدد ظلمة خطايانا وليل موتنا البارد !!
كان موت ربنا يسوع في وسط ظلام الصليب هو الثمن الذي اشترى به نفوسنا وافتداها من قبضة الليل والموت ، وكانت قيامته في فجر الأحد إعلاناً عن قبول الآب لهذا الثمن ورضائه بأن يخلق فينا طبيعة جديدة ، نعم ، بموت وقيامة ربنا يسوع صار لنا الحق أن نكون أولاد الله المولودين منه ، صار لنا الحق أن نكون شركاء في ذات طبيعته الإلهية ، صرنا أولاداً للنور نمشي في النور وليس للظلمة سلطاناً على حياتنا ، نعم ، في الصليب والقيامة رأينا مساء وصباح الخليقة الجديدة !!
أخي ، هل مازلت تحيا في ليل الخطية والابتعاد عن الله ، هل مازلت تؤيد اختيار آدم الأول في جنة عدن ؟! أم أشرق في داخلك صباح الطبيعة الجديدة بموت وقيامة ربنا يسوع المسيح ؟!
فخرى كرم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق