عندما يضئ الليل
" بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المشرق من العلاء ، ليضئ على
الجالسين في الظلمة و ظلال الموت
"
( لو 1 : 78 , 79 )
كان الليل
يرخي سدوله الكثيفة على الأمة العاصية ، ليل الارتداد الطويل الممتد منذ أيام
ملاخي آخر نور لمع في العهد الغابر ، أيام كان الله يتكلم مع الشعب ، و عندما أبت
القلوب أن تستمع للتحذير و عاد الشعب يخطئ
إلى الله مثلما فعل قبل السبي ، بل على خطاياهم قدرا من الصلف و العناد فأنكروا
أخطاءهم و أنكروا محبة الله ( ملا 1 : 2 , 6 ) عندئذ ارتفعت سحابة المجد من وسط
المحلة ، و سكت صوت النبي و لف الصمت الإلهي تلك الأمة أربعمائة عام ، أربعة قرون من الظلمة الكثيفة جثمت على عقول و قلوب الشعب ،
و بدلا من أن يذهبوا إلى دارهم ، فبات الشعب أسيرا في ارض غريبا في بيته ، و فرض
المستعمر سلطانه في غياب سلطان الله ، و بدلا من أن يذهب الشعب بنور إلهه إلى ظلمة
الأمم فينيرها ـ كما هو مفترض ـ أتى الأمم بظلمتهم إلى أرض المنارة الذهبية
فأطفأوا نورها ، و الأرض التي كانت بيتا للخير تفيض لبنا وعسلا صارت قفرا يبابا ،
حتى عندما جاء يوحنا المعمدان كان عليه أن يكون صوتا صارخا في " البرية
" !! نعم ، فالإنسان قادر دائما بشره أن يحول الكرمة المشتهاة إلى برية !!
كان آخر تحذير للشعب على لسان ملاخي أن الرب مزمع أن يضرب الأرض بلعن ، و أية لعنة
أكثر من هذه التي أصابت الشعب حتى بات جالسا في الظلمة و ظلال الموت ؟!
في ( مز 139 : 11 ) فقلت إنما الظلمة تغشاني ، فالليل
يضئ حولي ....
و فجأة أضاء
الليل !! و من قلب الظلمة الحالكة انفجر الصبح ، بل في وسط الغضب ذكرت الرحمة ، و
مجد الرب أضاء ليعلن فرحا عظيما يكون لجميع الشعب ، أنه ولد لهم مخلص هو المسيح
الرب !! الرب الذي ارتفع مرة من وسط الشعب و أسلم مسكنه للأعداء يهدمونه ، و التحف
بالصمت حتى يبس لسان الشعب عطشا لكلماته المحيية ، قرر أن يعود بنفسه و ينصب خيمته
في وسط الشعب و لكن ليس في المسكن القديم بل في جسد حي ، لكي يكون أقرب لقلب
الإنسان أكثر من كل اقتراب سابق ، كان الناموس الذي رتب له الملائكة و الهيكل ذو
الحجاب هما أقصى اقتراب لله من الإنسان ، كان اقترابا خلصهم من أعدائهم المحيطين
بهم ، أما الآن فالاقتراب ألصق و أعمق حيث قرر الرب أن يشبه إخوته في كل شئ و
يشاركهم في اللحم و الدم ، لكي يخلصهم في هذه المرة ليس من أعدائهم بل مــــن
" خطاياهم " ، من أصل الارتداد المتعمق في قلب الإنسان ، اقترب بنفسه
لكي يفعل ما لم يستطع الناموس أن يفعله بوصاياه أو بتهديداته ، اقترب لينزع من
أحشائهم قلب الحجر الذي لم يتصدع من إحسانات النعمة المغدقة و لا بدينونات النقمة
الماحقة ، ليذيب هذا القلب بلمسات المحبة الإلهية المحيية .
و كما حار القلب في وسط ليل غضب الله و صفق
الإنسان على فخذه ألما و ندما و عجزا كذلك أمام فجر النعمة الذي أشرق من العلاء
هازما الظلال يخر القلب خاشعا لا يجد جوابا و لا يملك ردا لهذا الإحسان ، لا
يستطيع إلا أن يهرع ليقدم السجود لهـــذا الخلاص " الوليد " لهذا الحب
" المقمط " لهذا الإحسان "
المضطجع في م1ذود " !!
و تمر السنون ....
و يعود الإنسان إلى د\أبه في معاندة معاملات الله و
الاستهانة بإحسانه ، و تعود سحابة المجد تنسحب رويدا خارج مسكن الله ، و تنتشر
برودة الموت في الكثير من تجمعات المؤمنين بالمسيح ، و يخفت النور حتى يكاد ينطفئ
لأن كلمة الله الحقيقية صارت عزيزة في هذه الأيام ، و حل محلها الكثير من كلمات
الإنسان الجوفاء التي تصك المسامع بالباطل ، و تسود مظاهر العبادة الروتينية بعدما
انحسر الانسكاب الحقيقي أمام الله ، ناهيك عن التحزب و الصراعات الطائفية التي
تضرب هيكل المسيحية ووحدتها في مقتل ، حتى أصبح الإنسان يشعر في الكرم المسيحي
بوحشة البرية و خوفها !! و بدلا من أن تحمل الكنيسة النور الحقيقي الذي ينير كل
إنسان و تذهب به إلى قلب عالم الظلام ، أتى العالم بظلمته إلى قلب الكنيسة ،
فرأينا فكر العالم و فلسفاته ينادى بها من فوق المنابر و محاولات دائبة لإحلال قوى
مشاعر الإنسان و أفكاره محل حكمة الروح القدس و سلطانه ، بل إن أسلوب احتفال
العالم المسيحي بذكرى الميلاد أصبح عنوانا و دليلا على مدى تعمق روح العالم في
داخل الكنيسة و تسلطه على كل شئ فيها حتى أقدس الذكريات ، أليس هذا ارتدادا و موتا
و عبودية ؟! وأي ارتداد أكثر من أن نحزن روح الله و نتركه يفارقنا ، و أي موت يحق
علينا إن استبعدنا شخص ربنا المبارك من مركز السيادة في اجتماعنا ؟ و أية عبودية ـ
في عقر دارنا ـ نتوقعها إن أسلمنا قيادنا لروح العالم و استلهمنا أفكاره و فلسفاته
؟!
بأحشاء رحمة إلهنا ...
لكن إذا كان
هذا هو دأب الإنسان ، فدأب الله أن يفاجئنا في عمق ارتدادنا بنور يضئ ليلنا ، و
بشارة فرح عظيم بميلاد فجر جديد ، و إذا كانت جعبة الإنسان لم تفرغ من الشر و
العناد ، فإن الله أيضا لم و لن تفرغ جعبته من المجد و العطاء ، لذلك يليق بنا في
ذكرى ميلاده أن نرفع وجوهنا نحو المشرق من العلاء ، طالبين يد الإحسان تمتد إلينا
من وسط غيوم خطايانا بإعلان جديد عن محبة الله و نعمته ، بتعامل أعمق مع قلب
الإنسان ، بنهضة شاملة لشعب الله في كل مكان ، نعم ، فرحمة إلهنا لن تدعنا نعيش
على ذكرى أمجاد القرن المسيحي الأول ، بل عن\ده لنا في هذه الأيام الأخيرة سكيب نعمة
يحطم عنا نير الظلمة و يضئ الليل حولنا ، و لكم أيها المتقون اسمه تشرق شمس البر و
الشفاء في أجنحتها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق