الاثنين، 12 ديسمبر 2011


الإله القديم

" الإله القديم ملجأ , ليس عنده تغيير و لا ظل دوران "
( تث 33 : 27   , يع 1 : 17 )

تدور عجلة الوقت و تتعاقب السنون و يأبى الزمن إلا أن يضع بصماته على كل شئ فينا , على كل الناس و علاقاتهم و أوضاعهم و مشاعرهم , كل شئ فينا يشيخ و يتقادم , الأجساد توهن و يغزوها المرض و الضعف و يسرع بها الزمن إلى طريق الأرض كلها , و الأرواح أيضاً تشيخ و تضعف و تفقد تألقها و توثبها القديم , و حتى المشاعر تبرد و تتبلد بعدما ملأت الدنيا ضجيجاً و تقلبت مع الأحداث على كل وجه , حزنت و فرحت و خافت و اشتاقت , ثم أخيراً تسكن و تستكين بعدما أدركت أنه لا جديد تحت الشمس , و تبدأ تراقب تقلُّب الزمن بصمت و جفاف كما ترجع السحب بعد المطر , و كل ما شاخ فهو قريب من الاضمحلال , و يوماً ما لابد أن يسكت صوت المطحنة التى دارت كثيراً لأن الانسان ذاهب إلى بيته الأبدى .
و يترك الانسان الساحة إلى أجيال جديدة لتدور فى نفس الدائرة و ليفعل بها الزمن نفس فعلته , فيرفعهم إلى قمة القوة و غرور الغنى ثم فجأة يهبط بهم إلى الهاوية عندما ينفصم حبل الفضة و ينسحق كوز الذهب و حين تنكسر الجرّة على العين و تنقصف البكرة عند البئر , عندئذ يرجع التراب إلى الأرض كما كان و ترجع الروح إلى الله الذى أعطاها ( جا 12 ) .
الكل يخضع لهذا الدوران و ما يحدثه من تغييرات عميقة فى قلب و حياة الانسان المتغير الفانى , و ما السنة الماضية و السنة القادمة إلا حلقات هذه العجلة الرهيبة التى تدور بنا دون أن نشعر حتى تصل بنا إلى النهاية المحتومة .
الله و حده لا يخضع لهذا الدوران و التغيير , لأنه يقف فى مركز دوران عجلة الزمن و ليس فى طرفها , انه المتحكم فى دوران عجلة تاريخ الانسان و صانع تعاقب الأزمان و الأجيال , انه بحكمة فائقة يدير عجلة الزمن لكى يصوغ من الانسان كائناً جديراً بالسكنى معه فى الأبدية .
و الانسان يظل عند طرف عجلة الزمن يدور معها بلا حول و لا قوة , يخضع لتغييرات الزمن  و يتقلب معها دون أن يعرف لنفسه هدفاً لوجوده , و إذا لم يجد الانسان مركزاً ثابتاً يتعلق به فإن عجلة الزمن تطوح به بعيداً بعدما تطحنه فى دورانها الذى لا يرحم و لا يرثى لأحد , لكن اذا ارتبط الانسان بالله الموجود فى مركز دائرة الزمن فلن يؤذيه تقلب الزمن لأن حياته متصلة بإله ثابت لا يعتريه تغيير و لا ظل دوران , و مهما مرّ الزمن او تغيّر الوقت فالإله " القديم " يبقى ملجأ و حصناً من صروف الزمن .
          هذا الإله يبقى وحده غير متغير , لقد عرفته منذ صباى و كلما مضى الزمان تغيرت حولى الأشياء و الأشخاص و المفاهيم , لكنه وحده لا يتغير , و عدم تغيره هو الأساس الذى يحمى حياتى من أن تتمزق بين المتغيرات المتعاقبة و المتضادة , أنا لا أستطيع تصور أن أستيقظ  يوما فأجده قد تغيّر  أو أن موقفه منى قد تبدل , إذاً لتحطمت حياتى فوراً ,  لكن له كل المجد لأن ثباته هو أساس ثبات و استمرارية حياتى , ان حياتى معه سلسلة متصلة الحلقات بدأت يوماً ما و ستستمر طوال الأبدية بلا انقطاع , و لن يستطيع الزمن أن يضيرها لأنها علاقة بمن هو فوق الزمن و سيد الزمن , و لقد عبّر هو عن هذه الحقيقة حينما قال : " لأنى أنا الرب لا أتغيّر فأنتم يا بنى يعقوب لم تفنوا " ( ملا 3 : 6 )
          بل انه نفس الإله القديم قدم التاريخ , اله الآباء منذ آدم مروراً بشعب اسرئيل وصولاً إلى الكنيسة , ان علاقتى به لم تبدأ منذ صباى فقط بل منذ كان يتعامل مع آدم و كنت أنا كامناً فى صلب آدم !! ان علاقتى بهذا الإله بدأت فى جنة عدن و تشكلت من خلال تعاملاته مع أجيال الآباء المتعاقبة حتى انتهت و تبلورت فى علاقتى الشخصية معه الآن , ان ايمانى تأسس على كلماته التى قالها لموسى و أشعياء و بولس , و ثقتى به تأسست على ما فعله مع ابراهيم و يوسف و بطرس , لقد تتلمذت على أقواله التى قالها من فوق جبال اليهودية , و قدماى تعلمتا اتباعه فى دروب الناصرة و السامرة و أورشليم و عيناى رأتا مجده فوق جبال سيناء و الكرمل و الزيتون , بل ان روحى قد اغتسلت و تحررت بين جثسيمانى و الجلجثة , انه فوق الزمن و عندما التصقت به تحررت من قيود الزمن و استطاعت روحى أن تعيش معه و تستفيد من معاملاته مع كل الأجيال السابقة , انه حقاً الهى " القديم " العزيز , الذى مخرجه منذ القديم منذ أيام الأزل ( ميخا 5 : 2 ) . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق