الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


رسالة  من المُقام
" لا تخافا ، اذهبا قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل و هناك يرونني "
( متى 28 : 10 )
        إني أريد أن أذكركم بهذه الرسالة التي حملني بها السيد في فجر قيامته ، و لا تتعجبوا أني مازلت أذكرها فمرور عشرين قرنا من هذا الزمان ليس له وزن في حسابات الأبديـة ، و أنا مازلت أشعر بوقع هذه الرسالة على نفسي و روحي كما لو كانت بالأمس فقط ، كان الوقت الذي مر علينا عصيبا عندما ألقوا القبض على يسوع و أسلموه للموت ، و رأيناه يسلم نفسه لهم ليفعلوا به كل ما أرادوا ، لم نكن نفهم شيئا و كنا نظن أنه في أية لحظة سيخرج من بين أيديهم كما فعل سابقا لكن هذا لم يحدث ، و استمر تلاحق الأحداث الرهيبة حتى وصلوا به إلى صليب الجلجثة ، لم نصدق ما يحدث أمامنا ، كيف يمكن أن يموت هذا الإنسان الذي منح الحياة للموتى ، كيف يحني رأسه تحت ظلمة أرواحهم الشريرة و هو الذي أخرج مني سبعة أرواح شريرة و أخرج  إلى النور نفسي و روحي ؟ !!
        كنت أقف بعيدا مع بقية النسوة نراقب الموقف بهلع و خوف ، كنا بنكي بشدة ليس على شخص المصلوب فقط ، كلا ، بل كنا نبكي أنفسنا ، نبكي انهيار الأمل بداخلنا ، نبكي كل شئ جميل في الحياة ، كنا نودع كل ما هو طاهر و نقي في هذه الأرض ، نعم ، إننا لم نعرف الحياة و الطهارة و النقاء إلا عندما عرفنا يسوع ، هو الذي أتى بنا من طين الأزقة و صنع منا بشرا أسوياء ، هو الذي أصعدني أنا شخصيا من العبودية و المذلة و صاغني كيانا طاهرا منيرا ، إنه هو حياتي و شمسي ، و هل يمكن أن تموت الحياة أو تنطفئ الشمس ؟!
        ألم أقل لكم أني أذكر هذه الأحداث كما لو كانت بالأمس ، كانت ليلة هذا السبت هي أطول و أقسى ليلة مرت على نفسي و على كل نفس عرفت يسوع ، كانت ليلة مظلمة لم تفارق فيها الدموع عيني و أنا أذكر كل أحداث حياتي السابقة منذ أن تعرفت على شخصه الكريم ، هل تصدقونني إذا قلت لكم أني تذكرت كل كلمة نطق بها و كل نظرة و كل موقـف و كل إشارة ؟! و كيف لا و هو سيدي الذي أعادني للحياة و أعاد الحياة إلي ؟!
        لكن أقسى الذكريات كانت تلك التي في الجليل . عندما التقى بتلاميذه في بداية خدمته ، هناك صنع أول أعماله العظيمة و هناك اختار تلاميذه ووعدهم بأن يجعلهم صيادي الناس ، هناك تركوا كل شباكهم و أعمالهم جانبا و قرروا أن يذهبوا خلفه ، نعم ، كانت أياما مشرقة ممتلئة بالإيمان و الرجاء ، كان أفق إيماننا رحيبا و توقعنا مستقبلا باهرا مملوءا بالأعمال العظيمة ، و لكن ها نحن قد تركنا الجليل بحياته البسيطة النقية ، و انتقلنا إلى تخوم اليهودية و أورشليم حيث صخب الأحداث و تعقيداتها ، و ها قد تتابعت الأحداث بصورة غير متوقعة حتى انتهت إلى هذه النهاية المأساوية ، آه ، أين أنت يا أيام الجليل الهادئة ؟! أين أنت بوعودك الثمينة و أفق إيمانك الرحيب ، هل سقطت هذه الوعود ، هل خنقت أورشليم بزحامها إيمان صيادي الجليل البسطاء ؟! كان هذا هو الظاهر للعيان في تلك الليلة الحزينة .
        و في فجر الأحد باكرا جدا ذهبت إلى القبر مع مريم الأخرى ، و أنتم تعلمون ما حدث و لا داعي أن أكرره عليكم ، اكتشفنا أن الرب قد قام و هزم الموت و قهــر القبر ، و بزغ فجر الأمل من جديد في قلوبنا المظلمة الباردة و أحيا فينا الرجاء مرة أخرى ، فهرعنا نركض لا نعلم إلى أين ، يحدونا الأمل في تحقيق كل الوعود القديمة ، وعود الجليل المشرقة ، و في نفس الوقت ينتابنا الخوف من أن يعود الموت يجسم على صدورنا لأننا لم نكن متأكدين من خبر القيامة ، و هنا إلتقانا بنفسه و كانت أول كلماته لنا " لا تخافا " ، نعم ،  كان يعلم ما يجول في صدورنا ، ثم طلب منا أن نحمل منه رسالة إلى تلاميذه تدعوهم للذهاب إلى الجليل لكي يلتقي بهم هناك !! الجليل !! نعم ، ألم اقل لكم أنه يعلم تماما ما يجول بخاطرنا ، الجليل مكان الوعود الأولى و المحبة الأولى ، الجليل مكان التكريس الأول و الإيمان الأول ، عندما تركنا كل شئ و تبعناه ، الجليل مكان الإرسالية الأولى ، ماذا يقصد الرب بالجليل ؟ إنه يريد أن يقول أنه قد انتصر على كل قوى الظلام التي حاولت أن تبطل دعوته و عمله ، إنه يريد أن يقول لتلاميذه إن شيئا لم يتغير من كل تلك الوعود الأولى ، و أنه لم ينس أية كلمة قالها لهم هناك ، إنه يريد أن يجدد لهم إرساليته التي قبلوها منه في الجليل ، باختصار كانت دعوة الرب إلى الجليل تقول لنا : ارجعوا إلى إيمانكم الأول الذي فقدتموه في صخب الجلجثة ، و اردعوا إلى دعوتكم الأولى و رسالتكم التي قبلتموها في البداية ثم تاهت منكم في زحمة الأحداث .
        و أنا اليوم أعتبر نفسي مسئولة أن أحمل إليكم نفس الرسالة يا أخوتي مؤمني القرن العشرين ، رغم أن ظروفكم تختلف عن ظروفنا لكنكم معرضون لأن تنسوا دعوتكم الأولى تحت وطأة صعوبات الحياة و تلاحق الأحداث ، و تظنوا أن الرب قد فشل في تحقيق وعوده لكم ، كلا ، الرب قد قام و انتصر على كل القوى التي حاولت أن تمنعه من تتميم مشيئته على الأرض ، و هو الآن يريد أن يتمم وعوده لكم و فيكم ، ارجعوا إلى عهد تكريسكم الأول و هناك ترونه !!
                                                              أختكم / مريم المجدلية 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق