رسالة من المُقام
" لا تخافا ، اذهبا قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل و هناك يرونني "
( متى 28 : 10 )
إني أريد
أن أذكركم بهذه الرسالة التي حملني بها السيد في فجر قيامته ، و لا تتعجبوا أني
مازلت أذكرها فمرور عشرين قرنا من هذا الزمان ليس له وزن في حسابات الأبديـة ، و
أنا مازلت أشعر بوقع هذه الرسالة على نفسي و روحي كما لو كانت بالأمس فقط ، كان
الوقت الذي مر علينا عصيبا عندما ألقوا القبض على يسوع و أسلموه للموت ، و رأيناه
يسلم نفسه لهم ليفعلوا به كل ما أرادوا ، لم نكن نفهم شيئا و كنا نظن أنه في أية
لحظة سيخرج من بين أيديهم كما فعل سابقا لكن هذا لم يحدث ، و استمر تلاحق الأحداث
الرهيبة حتى وصلوا به إلى صليب الجلجثة ، لم نصدق ما يحدث أمامنا ، كيف يمكن أن
يموت هذا الإنسان الذي منح الحياة للموتى ، كيف يحني رأسه تحت ظلمة أرواحهم
الشريرة و هو الذي أخرج مني سبعة أرواح شريرة و أخرج إلى النور نفسي و روحي ؟ !!
كنت أقف
بعيدا مع بقية النسوة نراقب الموقف بهلع و خوف ، كنا بنكي بشدة ليس على شخص
المصلوب فقط ، كلا ، بل كنا نبكي أنفسنا ، نبكي انهيار الأمل بداخلنا ، نبكي كل شئ
جميل في الحياة ، كنا نودع كل ما هو طاهر و نقي في هذه الأرض ، نعم ، إننا لم نعرف
الحياة و الطهارة و النقاء إلا عندما عرفنا يسوع ، هو الذي أتى بنا من طين الأزقة
و صنع منا بشرا أسوياء ، هو الذي أصعدني أنا شخصيا من العبودية و المذلة و صاغني
كيانا طاهرا منيرا ، إنه هو حياتي و شمسي ، و هل يمكن أن تموت الحياة أو تنطفئ
الشمس ؟!
ألم أقل
لكم أني أذكر هذه الأحداث كما لو كانت بالأمس ، كانت ليلة هذا السبت هي أطول و
أقسى ليلة مرت على نفسي و على كل نفس عرفت يسوع ، كانت ليلة مظلمة لم تفارق فيها
الدموع عيني و أنا أذكر كل أحداث حياتي السابقة منذ أن تعرفت على شخصه الكريم ، هل
تصدقونني إذا قلت لكم أني تذكرت كل كلمة نطق بها و كل نظرة و كل موقـف و كل إشارة
؟! و كيف لا و هو سيدي الذي أعادني للحياة و أعاد الحياة إلي ؟!
لكن أقسى
الذكريات كانت تلك التي في الجليل . عندما التقى بتلاميذه في بداية خدمته ، هناك
صنع أول أعماله العظيمة و هناك اختار تلاميذه ووعدهم بأن يجعلهم صيادي الناس ،
هناك تركوا كل شباكهم و أعمالهم جانبا و قرروا أن يذهبوا خلفه ، نعم ، كانت أياما
مشرقة ممتلئة بالإيمان و الرجاء ، كان أفق إيماننا رحيبا و توقعنا مستقبلا باهرا
مملوءا بالأعمال العظيمة ، و لكن ها نحن قد تركنا الجليل بحياته البسيطة النقية ،
و انتقلنا إلى تخوم اليهودية و أورشليم حيث صخب الأحداث و تعقيداتها ، و ها قد
تتابعت الأحداث بصورة غير متوقعة حتى انتهت إلى هذه النهاية المأساوية ، آه ، أين
أنت يا أيام الجليل الهادئة ؟! أين أنت بوعودك الثمينة و أفق إيمانك الرحيب ، هل
سقطت هذه الوعود ، هل خنقت أورشليم بزحامها إيمان صيادي الجليل البسطاء ؟! كان هذا
هو الظاهر للعيان في تلك الليلة الحزينة .
و في فجر
الأحد باكرا جدا ذهبت إلى القبر مع مريم الأخرى ، و أنتم تعلمون ما حدث و لا داعي
أن أكرره عليكم ، اكتشفنا أن الرب قد قام و هزم الموت و قهــر القبر ، و بزغ فجر
الأمل من جديد في قلوبنا المظلمة الباردة و أحيا فينا الرجاء مرة أخرى ، فهرعنا
نركض لا نعلم إلى أين ، يحدونا الأمل في تحقيق كل الوعود القديمة ، وعود الجليل
المشرقة ، و في نفس الوقت ينتابنا الخوف من أن يعود الموت يجسم على صدورنا لأننا
لم نكن متأكدين من خبر القيامة ، و هنا إلتقانا بنفسه و كانت أول كلماته لنا
" لا تخافا " ، نعم ، كان يعلم
ما يجول في صدورنا ، ثم طلب منا أن نحمل منه رسالة إلى تلاميذه تدعوهم للذهاب إلى
الجليل لكي يلتقي بهم هناك !! الجليل !! نعم ، ألم اقل لكم أنه يعلم تماما ما يجول
بخاطرنا ، الجليل مكان الوعود الأولى و المحبة الأولى ، الجليل مكان التكريس الأول
و الإيمان الأول ، عندما تركنا كل شئ و تبعناه ، الجليل مكان الإرسالية الأولى ،
ماذا يقصد الرب بالجليل ؟ إنه يريد أن يقول أنه قد انتصر على كل قوى الظلام التي
حاولت أن تبطل دعوته و عمله ، إنه يريد أن يقول لتلاميذه إن شيئا لم يتغير من كل
تلك الوعود الأولى ، و أنه لم ينس أية كلمة قالها لهم هناك ، إنه يريد أن يجدد لهم
إرساليته التي قبلوها منه في الجليل ، باختصار كانت دعوة الرب إلى الجليل تقول لنا
: ارجعوا إلى إيمانكم الأول الذي فقدتموه في صخب الجلجثة ، و اردعوا إلى دعوتكم
الأولى و رسالتكم التي قبلتموها في البداية ثم تاهت منكم في زحمة الأحداث .
و أنا
اليوم أعتبر نفسي مسئولة أن أحمل إليكم نفس الرسالة يا أخوتي مؤمني القرن العشرين
، رغم أن ظروفكم تختلف عن ظروفنا لكنكم معرضون لأن تنسوا دعوتكم الأولى تحت
وطأة صعوبات الحياة و تلاحق الأحداث ، و تظنوا أن الرب قد فشل في تحقيق وعوده
لكم ، كلا ، الرب قد قام و انتصر على كل القوى التي حاولت أن تمنعه من تتميم
مشيئته على الأرض ، و هو الآن يريد أن يتمم وعوده لكم و فيكم ، ارجعوا إلى عهد
تكريسكم الأول و هناك ترونه !!
أختكم / مريم المجدلية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق