إذا انقلبت الأعمدة
(مزمور 11)
كل مجتمع بشري يحتاج
إلى أسس ثابتة وأعمدة راسخة يقوم عليها، مثل السلام والمساواة والأمن والعدالة
الاجتماعية، وكل مواطن يحتاج أن يشعر في وطنه بثبات هذه الأسس حتى يستطيع أن يعيش
ويعمل وينتج، فالمواطن إذا لم يشعر بالاطمئنان على أسرته وأبنائه وممتلكاته لن
يستطيع أن يعطي اهتماماً وتركيزاً للعمل والإنتاج، وإذا لم يشعر بالعدل والمساواة
بينه وبين سائر المواطنين سيمتلئ بالغضب والعنف والرغبة في التدمير، وإذا جُرح
وأُهين وكُبِّلت حريته في وطنه فلن يستطيع أبداً أن يعمل لرفعة هذا الوطن وتقدمه.
والناس في بلدي اليوم
تشعر باهتزاز كل هذه الأسس أو بعضها، وشعبي أصبح يلاحظ في كل يوم تساقط الأعمدة
التي استندوا عليها طويلاً، الكل في شوارعنا يشعر بالخوف والحيرة والألم، إعلامنا
على كل ألوان الطيف يزيد حيرة الشعب وخوفه وارتباكه، أرضنا فتحت فاها لتقبل دم
إخوة أبرياء من يد إخوتهم، سماؤنا ملبَّدة بالصراخ والعويل والكذب والتزييف
والتهديد والوعيد!! يا ترى ماذا يفعل المؤمنون في تلك الأيام؟ ماذا يفعل الصديق
إذا انقلبت الأعمدة؟!
هناك أصوات تنادي بأن
نهرب إلى الجبال مثل عصفور، أن نهاجر من وطننا إلى أوطان أخرى تعصمنا من الخوف
والألم، أن نبحث في بلاد أخرى عن حرية وكرامة لم نجدها في بلادنا، أن نترك أرض
آبائنا وأجدادنا لأنه هوذا الأشرار يمدون القوس ليرموا في الدجى مستقيمي القلوب،
لكن داود يرفض هذا النداء ويسأل باستنكار «على الرب توكلت، كيف تقولون لنفسي اهربوا إلى جبالكم
كعصفور»؟!!
إذا انقلبت الأعمدة في
المجتمع الذي يعيش فيه المؤمن فله أعمدة أخرى راسخة يمكنه الاستناد إليها، هذه
الأعمدة موجودة في شخص الرب نفسه وليست في أي مكان آخر، أربعة أعمدة يمكنك أن
تُقيم عليها بُنيان حياتك فلا تتزعزع أبداً:
هذه الأعمدة هي (أولاً)
وجود الرب وسط شعبه: «الرب في هيكل قدسه» مهما قامت حرب أو انطلقت سهام على
شعب الرب فلا يمكن أن تنتصر لأن الرب موجود في وسط الكنيسة التي هي هيكل قدسه،
ومهما هاجت الأمواج على سفينة حياتنا فلن تغرق لأن الرب فيها، حتى وإن بدا
نائماً!!
و(ثانياً) سلطان الرب على كل خليقته:
«الرب في السماء كرسيه» الرب مرتفع فوق الكل ولا يمكن أن يحدث شيء إلا بإذنه وتحت
سلطانه، قد لا نفهم كل مقاصده ولماذا يسمح بالظلم ولكن يمكننا دائماً أن نطمئن
ونثق أن شيئاً لن يستمر أكثر مما تسمح به مشيئته الصالحة.
و(ثالثاً) معرفة الرب بكل خفايا القلوب:
«عيناه تنظران، أجفانه تمتحن بني آدم» الرب يرى كل خفايا البشر ويعرف دوافعهم
وأهدافهم، إنه يمتحن الصدِّيق والشرير على حد سواء، إنه يسمح بالظروف التي تمتحن
قلوب الناس وتُظهر ما بها من بر وقداسة أو من شر وقسوة، إن الظروف التي تمر بها
بلدنا هي امتحان للجميع، ليتنا ننجح فيه!!
و(رابعاً) عدالة الرب المطلقة التي لا يمكن
أن تخطئ أبداً: «لأن الرب عادل ويحب العدل» عندما نشعر بالظلم وغياب العدالة
لابد أن نتوجه بأنظارنا فوراً إلى عدالة الرب التي لا تُخطئ ولا تتأخر أبداً، الرب
متسلط في مملكة الناس ويمتحنهم مرة ومرات ويتأنى عليهم كثيراً ولكن لابد أن يأتي
اليوم الذي يدين بالعدل ويجازي كل واحد بحسب أعماله، فيُمطر على الأشرار فخاخاً
وناراً وكبريتاً وريح السموم تكون نصيبهم، أما المستقيمين الذين نجحوا في الامتحان
فنصيبهم أن يبصروا وجهه ويتمتعوا بإشراقه عليهم، ويا له من نصيب صالح كفيل بأن يُنسيهم
كل معاناتهم وآلامهم!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق