|
رسالة من دموع
|
" فخرج بطرس إلى خارج و بكى بكاء مرا "
( لو 22 : 62 )
لم أكن
أتصور أن الحقيقة مرة إلى هذا الحد !! أشعر بمرارتها تملأ جوفي ، حقيقة إني لا
أحبك بالحق بعد كل هذه السنين ، حقيقة إني لم أتبعك بالحق و لم أتعلم منك كيف أنكر
نفسي ، حقيقة إني أحب نفسي أولا و قبل كل شئ آخر ، حقيقة إنه يمكن أن أحب نفسي و
لو على حسابك !! آه ، إن ولائي الأول هو لذاتي ، لقد تبعتك لأني أحب ذاتي ، أردت
أن آخذ منك كل ما أستطيع و عندما حان وقت العطاء لم أجد ما أعطيه !!
ما ابعد
الفرق بين محبتك و محبتي ، كانت محبتك لي دائما هي محبة العطاء ، لكن محبتي لك ظلت
دائما محبة الأخذ ، في كل يوم كنت أراك تبذل ذاتك بلا مقابل لأجل الجميع ، تسكب
حياتك كالماء المراق لأجل حياة العالم ، لكني لم استطع أن أتعلم منك كيف أنكر نفسي
، بل قل إني لم أرد أن أتعلم .
في البداية كنت آخذ مكان التلميذ و أتعلم منك
بوداعة و بساطة ، و كم كانت جميلة تلك الإعلانات التي أخذتها و أنا في هذا المكان
، لكني رويدا رويدا بدأت أترك مكان التلميذ هذا ، و بدأت نفسي تتشامخ و تطلب مكانا
متقدما ، أصبحت أبحث من طرف خفي عن مكانتي بين التلاميذ ، أحببت أن أكون الأعظم
فيهم ، و بينما كان سرورك أن تكون آخر الكل كان سروري أن أكون الأول ، و لهذا لم
نتصادم و نفترق كل هذه السنين ، ليس لأننا نسير متجاورين بل لأن كلا منا يطلب
مركزا بخلاف الآخر ، فينما كنت أنت خادما للجميع كنت أنا أريد أن أكون مخدوما من
الجميع ّّ
لقد حاولت
كثيرا أن تلفت نظري لهذه الذات المتضخمة ، هل أنسى عندما أخذت رجلي لتغسلهما ؟ كان
تصرفك هذا نور يفضح كبريائي ، لكني لم أنكسر و لم انحن بجوارك لأغسل أرجل إخوتي ،
بل ظللت جالسا بينهم و أنت منحن عند الأقدام !!
كل من
حولي لم يلاحظوا شيئا ، لكن أنت وحدك كنت ترى أني تركت مكان التلميذ و رحلت بعيدا
، كنت قريبا منك بالجسد و لكن نفسي كان يفصلها عنك واد عميق ، وادي الاتضاع و
إنكار الذات و الخضوع لمشيئة الآب ، هذا الوادي الذي عبرته أنت بســـرور و رفضت
أنا أن أعبره ، لذلك كان لابد أن تأتي هذه الليلة التي فيها تتقدم أنت لتتمم مشيئة
الآب و أخرج أنا خارجا في الظلمة لأبكي فشلي المرير !!
إن الذي
يفصلني عنك الآن ليس العسكر و السيوف و العصي ، إن ما يفصلني عنك الآن هو ذاتي
المنتفخة الجوفاء ، ذاتي التي تفضل الراحة و تهرب من الألم ، ذاتي التي لم تتعلم
أن تقف بجوارك و تشاركك آلامك ، آه .. إن مرارة الحقيقة يمكن أن تسلمني لليأس
القاتل لولا أني أتذكر كلماتك تتردد في
أعماقي : " و لكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك ، و أنت متى رجعت ثبت
إخوتك " !! إن شفاعتك تلك هي طوق النجاة الوحيد في وسط بحر الظلمات هذا ، إني
أتعلق بها بكل قلبي ، شفاعتك تضمن لي أني سأرجع ، سأرجع من كبريائي و عنادي و
انتفاخي الفارغ ، سأرجع إلى مكان التلميذ المتضع ، إن شفاعتك تؤكد لي أن مكاني
عندك محفوظ ينتظر رجوعي ّ!! نعم سأرجع
لأثبت إخوتي ، كم هي جميلة لفظة " إخوتي " هذه !! كنت تعلم كبرياء قلبي الذي يريد أن
يستعلي عن بقية تلاميذك ، لكنك أردت أن تؤكد لي أنهم إخوتي الذين يقفون معي على
نفس الأرض ، دعوتنا معا ، و علمتنا معا ، و أحببتنا معا ، نعم ، إنهم إخوتي الذين
مكاني بينهم ، ليس فوقهم بل معهم و تحتهم كما كنت أنت دائما ّّ
أشكرك من
أجل هذا الامتحان !! إنه امتحان مر و لكنه ضروري ، كان ينبغي أن تضع محبتي على
المحك ، حتى و إن انهارت كل ثقتي و اعتدادي بذاتي إلا أن روحي تحررت و أبصرت جليا
، لو لم تكسر قشرة ذاتي السميكة لظلت روحي أسيرة كبريائي غير قادرة على الانطلاق ،
لكني الآن أشكرك لأن القيود قد انحلت عني و الغشاوة قد انفكت عن عيني .
إني سأرحل
الآن و أتركك في وسط هؤلاء الوحوش لأنه ليس عندي ما أقدمه لك ، لكني أثق أنك
ستنتصر على شرهم ، فأنا أعلم أن خيانة الصديق أقسى جدا من شر العـدو ، و إذا كانت
محبتك قد انتصرت على خيانتي فهي بلا شك ستنتصر على شر أعدائك ، إن هذه المحبة لا
يمكن أن تسقط أبدا و لا يمكن أن تمسك من الموت .
لا تقلق
على تلميذك الساقط فقد تعلم الدرس أخيرا !! لقد كسبت محبتك المعركـــة و نظرتك
انتشلتني من طوفان ظلمتي ، سأرجع إلى مكان التلميذ البسيط مرة أخرى ، سآخذ مكاني
عند قدميك و أتعلم منك مرة أخرى ، ستجدني دائما في وسط إخوتي و ليس فوقهم ،
سأثبتهم كما أردتني أن افعل ، ليس لأني أفضل منهم بل لأني اختبرت الفشل أكثر منهـم
!! و إذا كانت محبتك قد نجحت في رد نفسي فهي بلا شك ستنجح في رد نفوس الجميع ، و
إلى أن أراك في فجر انتصارك أقبل مني دموع توبتي و اعترافي و امتناني و محبتي
لشخصك الكريم .
تلميذك الخائن / سمعان بطرس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق