الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


لئلا نفقد الحق

" لذلك يجب أن ننتبه أكثر إلى ما سمعنا لئلا نفوته ( نفقده ) " 
  ( عب 2 : 1 )
        إن الحق الذي يخلص النفس لا نجمعه كما نجمع الأصداف من على رمال الشاطئ ، لكننا نحصل عليه كما نستخرج الذهب و الفضة من باطن الأرض ، بعد بحث شاق و حفـر و تنقيب ، و في هذا يقول سليمان " إن دعوت المعرفة و رفعت صوتك إلى الفهم ، إن طلبتها كالفضة و بحثت عنها كالكنوز ، فحينئذ تفهم مخافة الرب و تجد معرفــة الله " ( أم 2 : 3 ـ 5 ) .
 الإنسان الذي يريد أن يستخرج الحق يلزمه أن يستخدم كل طاقاته ، يحتاج إلى صلاة كثيرة و امتحان للنفس و إنكار للذات ، ينبغي أن يصغي جيدا في داخل نفسه لصوت الله ، يحتاج إلى اليقظة و الانتباه لئلا يسقط في الخطية أو في النسيان ، ينبغي أن يتأمل ليلا و نهارا في حق الله الذي حصل عليه .
الحصول على الحق الذي يخلص النفس ليس أمرا سهلا ، رجال الله المملوءون بحق الله ، الذين يسيرون كما يحق للحق الإلهي ، لم يصيروا هكذا بدون مجهود ، بل لقد بحثوا و نقبوا عن الحق ، لقد أحبوا الحق و اشتاقوا إليه أكثر من اشتياقهم لخبز أجسادهم ، لقد خسروا الكثير لأجله ، و عندما تعثروا و سقطوا لم ينطرحوا بل قاموا مرة أخرى و استأنفوا بحثهم عن الحق ، و عندما هزموا في جولة لم يستسلموا لليأس لكنهم بأكثر اهتمام و انتباه و تركيز جددوا مجهوداتهم للوصول إلى الحق .
لم يحسبوا حياتهم ثمينة عندهم حتى يعرفوا الحق ، إن حقوقهم و راحتهم و صيتهـم و كل ما يقدمه العالم حسبوه نفاية في سعيهم إلى الحق ، و عندما وصلوا إلى المرحلة التي أصبح فيها الحق هو أهم شئ في حياتهم عندئذ فقط وجدوا الحق !! الحق الذي يخلص النفس و يريح القلب و يجيب عن أسئلة الذهن ، الحق الذي يمنح شركة مع الله و فرحا لا ينطق به و سلاما لا ينزع .
                              الحق يمكن أن يفقد
لكن كما أننا نتكلف مجهودا لكي نجد الحق كذلك نحتاج على الانتباه لكي نحتفظ به ، إذا لم نحافظ على الحق فإنه يتسرب من بين أيدينا ، يقول الكتاب " اقتن الحق و لاتبعه " ( أم 23 : 22 ) و الحق عادة يفقد قليلا قليلا ، كما يتسرب الماء المرتشح نقطة نقطة ، إننا لا نفقد الحق كله مرة واحدة بل تدريجيا .
        هوذا أخ كان مرة مملوء بالحق القائل " أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم " فأحب أعداءه و صلى لأجلهم ، و لكن قليلا قليلا أهمل هذا الحق فتسرب الحق من بين يديه ، و بدل المحبة و الصلاة لأجل أعدائه أصبح حادا و فظا .
        و أخ آخر كان كثيرا ما يعطي من أمواله للفقراء و لانتشار الإنجيل ، كانت له الثقة في الله لأجل تسديد احتياجاته ، و كان ممتلئا بالحق حتى إن كل خوف زايله ، كان مؤمنا بأنه إذا طلب أولا ملكوت الله و بره فكل الأشياء الأخرى ستزاد له ( مت 6 : 33 ) ، فخدم الله بسرور و بكل قلبه ، كان مرحا و غير مهتم كالعصفور الذي يدفن رأسه الدقيق تحت جناحه الصغير و ينام ، رغم أنه لا يعلم من أين سيأتيه طعام الإفطار إلا أنه يثق في الإله العظيم الذي يفتح يديه فيشبع كل حي و يعطيه طعامه في حينه ( مز 145 : 15 , 16 ) .
        لكن قليلا قليلا ترك حق الاعتماد على رعاية الله و أبوته يتسرب من بين يديه ، و فقد حكمة العطاء ، و هو الآن بخيل و طماع و قلق بشأن الغد .
        و هناك أيضا إنسان آخر كان ذات مرة دائم الصلاة ، أحب الصلاة بكل قلبه ، كانت الصلاة هي عملية التنفس ذاتها لحياته ، لكن قليلا قليلا نسي الحق الذي يقول : " ينبغي أن يصلى كل حين و لا يمل " ( لو 18 : 1 ) و الصلاة الآن عمل بارد و ميت بالنسبة له .
        و آخر كان يذهب إلى كل اجتماع يمكن أن يجده ، و لكنه بدأ يهمل الحق الذي يقول " غير تاركين اجتماعنا كما لقوم عادة بل واعظين بعضنا بعضا " ( عب 10 : 25 ) و هو الآن يفضل الذهاب إلى الحديقة أو ناد عن الذهاب إلى اجتماع روحي .
        و شخص آخر كان حاذيا رجليه باستعداد إنجيل السلام ، وحيثما كان يقابل أي شخص كان يتكلم معه عن أخبار الله السارة ، لكن شيئا فشيئا بدا يعطي مجالا لكلام السفاهة و الهزل الذي لا يليق ( اف 5 : 4 ) و في النهاية نسي تماما كلمات ربنا المبارك " أقول لكم إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابا يوم الدين " ( مت 12 : 36 ) و لم يعد يتذكر قول الكتاب : " ليكن كلامكم كل حين بنعمة مصلحا بملح " ( كو 4 : 6 ) و هكذا صار الآن قادرا على الكلام بحماس في كل موضوع ماعدا الموضوعات الروحية ، و شهادته القديمة العميقة الملتهبة التي طالما قرعت قلوب الناس و أيقظت غير المكترثين و شجعت القلوب الخائرة و قدمت المعونة للقديسين المجاهدين ، لم يعد متبقيا منها الآن إلا بعض الجمل القليلة التي فقدت معناها بالنسبة له هو شخصيا ، و بالتالي فقدت تأثيرها على الآخرين . 

ماذا يفعل هؤلاء
        ينبغي أن يتذكروا من أين سقطوا و يتوبوا و يعملوا الأعمال الأولى من جديد ، ينبغي أن يبحثوا عن الحق مرة أخرى كما يبحث الناس عن الذهب و ينقبون عن الكنوز المخفية , و سوف يجدون الحق مرة أخرى لأن الله يجازي الذين يطلبونه ( عب 11 : 6 ) .
        قد يكون عملا شاقا ، و لكن هكذا البحث عن الذهب عمل شاق ، و قد يكون عملا بطيئا و لكن هكذا يكون البحث عن الجواهر المخفية ، لكنه على كل حال عمل مضمون النتائج لأن الرب يقول : " كل من يسال يأخذ ، و من يطلب يجد ، و من يقرع يفتح له " ( لو 11 : 10 ) كما أنه عمل ضروري لأن مصير نفسك الأبدي يتوقف عليه . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق