أيها العالم
مالك تموج و ترغى و تزبد كالبحر الهائج الذى لا يستطيع أن يهدأ ؟ مالك تقذف
حمأة و طيناً ؟ مالك تقف أمامى تعوقنى عن مواصلة سيرى نحو الأبدية ؟ لماذا تسعى
لافشال جهادى نحو تتميم قصد مخلصى ؟ ما أنا إلا نقطة واحدة فى بحرك الخضم . هل
استحق أن تناصبنى العداء ؟! كل هذا لأنها نقطة عاصية , لا تسير حسب تياراك !!
لا تحاول أن تغرينى بباطل مجدك , و خزى فخرك . و ظلام بريقك !! فباطلاً
تنصب شباكك فى عينى كل ذى جناح . لقد فتح الرب عينى فرأيت الأشياء على حقيقتها , و
علمت أن الكل باطل و قبض الريح و لا منفعة تحت الشمس . لماذا تغرينى بأمور زائفة و
مآلها إلى زوال ؟! هل باطلاً فتح الرب عينى ؟! حاشا . لقد أنار ظلمتى و فك رجلى من
الشبكة و لن أعود و أسقط فى فخ إغرائك .
ولا تحاول ارهابى و بث الخوف فى قلبى , فكل جبروتك لن يسقط شعرة من رأسى
بدن إذن أبى . قديماً كنت فى متناول يدك , و طوع هواك , و قيد أسرك , و مذلة
سلطانك , حاصرتنى بالخوف من كل جهة فصرت من الخوف عبداً , كنت تفعل بى ما تشاء ,
ترفعنى حيناً إلى الذرا و تهبط بى أسافل الدركات أحياناً كثيرة . تملؤنى رغبة ثم
تحرمنى . تملؤنى رجاء ثم تشقينى , تقترب بى من الأمان ثم تقذفنى إلى أعماق الخوف
المظلم . كفاك عبثاً بى !! فاليوم غيره بالأمس . لم أعد فى قبضة يدك تفعل بى ما
يروقك , لقد صرت فى حماية رب الجنود نفسه , و هولن يسمح لنفسى بالأذى .
أتريد أن تصادقنى و نعيش معاً فى سلام ؟! أية صداقة تلك التى أقيمها معك و
مازالت يدك ملطخة بدماء سيدى ؟! هل تريدنى أن آمن جانبك و أنت قاتل لكل من سلك
بأمانة مع الله ؟! لقد قال سيدى " إن العالم قد أبغضنى قبلكم " , و هكذا
يكون تصالحى معك خيانة مخزية لا أستطيع اقترافها .
أية مصلحة مشتركة يمكن أن تكون بيننا ؟ أنت تسعى لطمس بصائر الناس و أنا
أسعى لإنارتها . أنت تسعى لإحكام سيطرة الشهوة على النفس , كل مافيك هو شهوة الجسد
و شهوة العيون و تعظم المعيشة . أما أنا فأسعى لتحرير النفس من قبضة الشهوة و
اخضاعها لرب السماء و الأرض الذى بيده وحده شبع النفس . أنت تدين بولائك لرئيس
سلطان الهواء , ابليس , و أنا أدين بكل ما أملك لسيدى المسيح , و أى اتفاق للمسيح
مع بليعال ؟! أنت مآلك إلى الحريق و أنا مآلى إلى مجد أبدى , كيف نسير فى طريق
واحد و كل منا له نهاية مختلفة ؟! أيها العالم , اخفض يدك التى تمدها لمصافحتى ,
فلن أضع يدى فى يدك أبداً !!!
أيها العالم , ليس هذا سلبية أو
هروباً من الواقع أو عدم قدرة على مواجهة أعباء الحياة , كما يدّعى بعض المنتسبين
للمسيح و هم فى الحقيقة يعملون لحسابك !! و بينما يرفعون شعارات براقة عن بنيان
كنيسة المسيح , يعملون جاهدين لتقويض أساسها الذى هو " ليسوا من العالم كما
أنى أنا لست من العالم " . و يعطون للناس معانى زائفة رخيصة عن الحياة
المسيحية جعلتها صورة معدلة لحياة العالم , لها نفس الجوهر و تخضع لنفس المقاييس و
تنتظر نفس المصير !!!
كلا أيها العالم , هذه ليست
سلبية تجاهك بل بالحرى إيجابية تجاه دعوة الله العليا ! ليس هروباً من الواقع بل
مواجهة صريحة مع واقع عالم محكوم عليه بالفناء ! و ليس هو عدم قدرة على مواجهة
الحياة بل هو طلب للحياة بعينها , الحياة الأبدية التى تسمو فوق كل منظور .
أيها العالم : سأظل اسكن
فيك بالجسد إلى أجل غير مسمى . سأظل فيك لكنى لست منك . سأظل فيك لعمل سبق الله
فأعده كى أسلك فيه . فى داخل سجنك نفوس كثيرة ينبغى أن تعرف الله ة وتتحرر من
سلطانك . و هناك فى دروبك كثير من أبناء الله ينبغى أن يتعلموا كيف يخرجون إليه
خارج المحلة . فى داخلك حصون ينبغى أن تسقط و ترتفع مكانها راية الصليب , ينبغى أن
أمهد فى القفر سبيلاً لإلهى , و أضع حياتى من أجل أن تصير الأرض و ممالكها للرب و
مسيحه .
تنح
عن طريقى أيها العالم و دعنى أكمل سعيي , فلم يعد عندى وقت أضيعه فى الحديث معك
!!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق