الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


التكريس و التقديس
         زوجة أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي كانت تحضر بانتظام سلسلة من اجتماعاتنا عن " التقديس " و بدا عليها أنها مهتمة تماما بالأمر ، و في أحد الاجتماعات أتت إلي بعد الخدمة و قالت : " أخ برنجل ، أرجو أن تسميه تكريسا و ليس تقديسا ، أعتقد أنه هكذا سيكون أكثر قبولا "  فأجبتها : " لكني لا اقصد التكريس يا أختي ، أنا أقصد التقديس ، و الفرق بين التكريس و التقديس كالفرق بين الأرض و السماء ، بين عمل الإنسان و عمل الله " !!
        خطأ هذه السيدة خطأ شائع ، لقد أرادت أن تجرد الحياة الروحية من العنصر ال " فوق طبيعي " و تعتمد فقط على إمكانيات و أعمال الإنسان الطبيعي ، إنها " الموضة " في هذه الأيام أن تكون " مكرسا " و تتكلم كثيرا عن " التكريس " !!سيدات رقيقات يرتدين الحرير و يتحلين بالمجوهرات و يتزين بالفراء ، و رجال متأنقون ذوو أيادي ناعمة متعطرون بالروائح تسمعهم كثيرا اليوم يتحدثون بأصوات خفيضة و كلمات رقيقة عن ضرورة التكريس للرب !! و رغم أني أشك كثيرا في أن مثل هؤلاء يفهمون معنى التكريس الحقيقي للرب إلا أني أريد أن أناقش هذا الأمر الآن ، كل ما أريده هو أن أرفع صوتي بتحذير عال قائلا : " إن التكريس هو عمل الإنسان ، و هو غير كاف لتطهير النفس أو لتمجيد الله أما التقديس فهو عمل الله الذي يطهر النفس و يمجد الله ، و دعونا ننظر إلى إيليا على جبل الكرمل لنرى الفرق بين التكريس و التقديس :     
بنى إيليا المذبح على جبل الكرمل ، قطع ذبيحته ووضعها على المذبح ، و تضرع إلى إلهه ، و هذا هو التكريس !!
 لكن أنبياء البعل فعلوا هذا أيضا !! لقد بنوا مذبحهم و قطعوا  ذبائحهم و قضوا اليوم كله في تضرع بكل حماس و لجاجة للبعل ، بل ـ كما يبدو للعين البشرية ـ كان مالهم من حماس و لجاجة أكثر مما لإيليا !! إذا التكريس عمل إنساني يستطيع حتى أنبياء البعل أن يفعلوا مثله !!
ماذا فعل إيليا أكثر منهم ؟ لا شئ ، إلا أنه سكب عدة جرار من الماء على ذبيحته كتحد عظيم يعبر عن إيمان عظيم ، لقد آمن أن الله سيفعل شيئا ، لقد توقع عمل الله و صلى لأجله ، و لقد استجاب الله لتكريسه و شق السموات و سكب نارا تلتهم ذبيحته و حجارة مذبحه و تلحس المياه المسكوبة ، و هذا هو التقديس .    
 ما هي القوة التي تمتلكها الحجارة الباردة و الذبيحة الميتة  لكي تمجد الله و تحول الأمة العاصية  رجوعا ؟ لا قوة بالمرة ، لكن عندما انسكبت النار الإلهية و إلتهمتهم عندئذ فقط سقط الشعب على وجوههم و قالوا : الرب هو الله الرب هو الله ( 1 مل 18 : 39 )   .
ماذا تفعل المواهب الطبيعية و الكلام المنمق في خلاص العالم و تمجيد الله ؟ لا شئ بالمرة ، حتى لو كرسنا كل مواهبنا الطبيعية للرب تبقى الحاجة لحلول روح الله على هذه الذبيحة ، لأن روح الله وحده عندما يسكن في الإنسان يستطيع أن يمجد الله و يخلص العالم .
الله يريد  أناسا مقدسين ، بالطبع ينبغي أن يكونوا مكرسين لكي يستطيع الله أن يقدسهم لكن ينبغي أن يفهموا أن تكريسهم وحده لا يكفي ، لذلك بعد أن يقدموا أنفسهم بالكامل لله ينبغي أن يرفعوا أياديهم عن ذبيحتهم و يطلبوا نار الله لتقدسها ، كما وضع إيليا ذبيحته على المذبح ثم رفع يديه عن الأمر تماما و ترك الله يعمل عمله و يشهد عن نفسه !!
ينبغي أن نقدم أنفسنا لله بالكامل ، إرادتنا و أذهاننا و ألسنتنا ، أيادينا و أرجلنا ، سمعتنا في وسط العالم و حتى في وسط المؤمنين ، شكوكنا و مخاوفنا ، ما نحبه و ما لا نحبه ، ميلنا الطبيعي للشكاية و الرثاء للنفس و التذمر ، كل شئ ينبغي أن يوضع أمام الله ثم ننتظر الله و نصرخ غليه بإيمان متضع ـ لكنه واثق ـ حتى يعمدنا بالروح القدس و النار ، لقد وعد أن يفعل هذا ، لكن الإنسان ينبغي أن يتوقع عمل الله و يطلبه و يصلي لأجله ، و إن توانت الاستجابة ينتظرها !! 
رجع أحد الجنود إلى بيته بعد أن حضر أحد الاجتماعات ، ركع على ركبتيه و قال : " يا رب ، أنا لن أنهض من هنا حتى تملأني بالروح القدس " !! و لقد رأى الله فيه إنسانا خاضعا لعمله ، إنسانا يريد الله أكثر مما يريد أي شئ آخر ، و لهذا ملأه بالروح القدس هناك و في التو !!  
لكن أعرف جنديا آخر وجد أن " الرؤيا تتوانى " أحيانا !! لذلك انتظرها و قضى أوقاتا طويلة لمدة ثلاثة أسابيع يصرخ إلى الله لكي يملأه بالروح القدس ، و لم ييأس بل تمسك بالله بإيمان مثابر ، لم يتركه حتى يباركه ، و لقد رأيت هذا الجندي بعد فترة و تعجبت من روعة نعمة الله فيه ، لقد حل عليه حقا روح الأنبياء !!     
قال أحد أصدقائي مرة :  " إن السماء كلها مقدمة مجانا للإيمان " !! لكن أين من يستطيع أن ينتظر الله بإيمان ؟! فلنضع أنفسنا أمام إلهنا و نصرخ إليه بلجاجة لكي تنزل ناره من السماء و تلتهم ذبيحة حياتنا ، و عندئذ سنعرف معنى القداسة الحقيقية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق