|
التكريس و التقديس
|
زوجة أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي كانت تحضر بانتظام سلسلة من
اجتماعاتنا عن " التقديس " و بدا عليها أنها مهتمة تماما بالأمر ، و في
أحد الاجتماعات أتت إلي بعد الخدمة و قالت : " أخ برنجل ، أرجو أن تسميه
تكريسا و ليس تقديسا ، أعتقد أنه هكذا سيكون أكثر قبولا " فأجبتها : " لكني لا اقصد التكريس يا أختي
، أنا أقصد التقديس ، و الفرق بين التكريس و التقديس كالفرق بين الأرض و السماء
، بين عمل الإنسان و عمل الله " !!
خطأ هذه السيدة خطأ شائع ، لقد
أرادت أن تجرد الحياة الروحية من العنصر ال " فوق طبيعي " و تعتمد فقط
على إمكانيات و أعمال الإنسان الطبيعي ، إنها " الموضة " في هذه
الأيام أن تكون " مكرسا " و تتكلم كثيرا عن " التكريس " !!سيدات رقيقات يرتدين الحرير و يتحلين بالمجوهرات و يتزين بالفراء ، و رجال متأنقون
ذوو أيادي ناعمة متعطرون بالروائح تسمعهم كثيرا اليوم يتحدثون بأصوات خفيضة و
كلمات رقيقة عن ضرورة التكريس للرب !! و رغم أني أشك كثيرا في أن مثل هؤلاء يفهمون
معنى التكريس الحقيقي للرب إلا أني أريد أن أناقش هذا الأمر الآن ، كل ما أريده هو
أن أرفع صوتي بتحذير عال قائلا : " إن التكريس هو عمل الإنسان ، و هو غير
كاف لتطهير النفس أو لتمجيد الله أما التقديس فهو عمل الله الذي يطهر النفس و يمجد
الله ، و دعونا ننظر إلى إيليا على جبل الكرمل لنرى الفرق بين التكريس و
التقديس :
بنى إيليا المذبح على جبل الكرمل ، قطع ذبيحته ووضعها على المذبح ، و تضرع
إلى إلهه ، و هذا هو التكريس !!
لكن أنبياء البعل فعلوا هذا أيضا
!! لقد بنوا مذبحهم و قطعوا ذبائحهم و
قضوا اليوم كله في تضرع بكل حماس و لجاجة للبعل ، بل ـ كما يبدو للعين البشرية ـ
كان مالهم من حماس و لجاجة أكثر مما لإيليا !! إذا التكريس عمل إنساني يستطيع
حتى أنبياء البعل أن يفعلوا مثله !!
ماذا فعل إيليا أكثر منهم ؟ لا شئ ، إلا أنه سكب عدة جرار من الماء على
ذبيحته كتحد عظيم يعبر عن إيمان عظيم ، لقد آمن أن الله سيفعل شيئا ، لقد توقع عمل
الله و صلى لأجله ، و لقد استجاب الله لتكريسه و شق السموات و سكب نارا تلتهم
ذبيحته و حجارة مذبحه و تلحس المياه المسكوبة ، و هذا هو التقديس .
ما هي القوة التي تمتلكها الحجارة
الباردة و الذبيحة الميتة لكي تمجد الله و
تحول الأمة العاصية رجوعا ؟ لا قوة بالمرة
، لكن عندما انسكبت النار الإلهية و إلتهمتهم عندئذ فقط سقط الشعب على وجوههم و
قالوا : الرب هو الله الرب هو الله ( 1 مل 18 : 39 ) .
ماذا تفعل المواهب الطبيعية و الكلام المنمق في خلاص العالم و تمجيد الله ؟
لا شئ بالمرة ، حتى لو كرسنا كل مواهبنا الطبيعية للرب تبقى الحاجة لحلول روح الله
على هذه الذبيحة ، لأن روح الله وحده عندما يسكن في الإنسان يستطيع أن يمجد الله و
يخلص العالم .
الله يريد أناسا مقدسين ، بالطبع
ينبغي أن يكونوا مكرسين لكي يستطيع الله أن يقدسهم لكن ينبغي أن يفهموا أن تكريسهم
وحده لا يكفي ، لذلك بعد أن يقدموا أنفسهم بالكامل لله ينبغي أن يرفعوا أياديهم عن
ذبيحتهم و يطلبوا نار الله لتقدسها ، كما وضع إيليا ذبيحته على المذبح ثم رفع يديه
عن الأمر تماما و ترك الله يعمل عمله و يشهد عن نفسه !!
ينبغي أن نقدم أنفسنا لله بالكامل ، إرادتنا و أذهاننا و ألسنتنا ، أيادينا
و أرجلنا ، سمعتنا في وسط العالم و حتى في وسط المؤمنين ، شكوكنا و مخاوفنا ، ما
نحبه و ما لا نحبه ، ميلنا الطبيعي للشكاية و الرثاء للنفس و التذمر ، كل شئ ينبغي
أن يوضع أمام الله ثم ننتظر الله و نصرخ غليه بإيمان متضع ـ لكنه واثق ـ حتى
يعمدنا بالروح القدس و النار ، لقد وعد أن يفعل هذا ، لكن الإنسان ينبغي أن يتوقع
عمل الله و يطلبه و يصلي لأجله ، و إن توانت الاستجابة ينتظرها !!
رجع أحد الجنود إلى بيته بعد أن حضر أحد الاجتماعات ، ركع على ركبتيه و قال
: " يا رب ، أنا لن أنهض من هنا حتى تملأني بالروح القدس " !! و لقد رأى
الله فيه إنسانا خاضعا لعمله ، إنسانا يريد الله أكثر مما يريد أي شئ آخر ، و لهذا
ملأه بالروح القدس هناك و في التو !!
لكن أعرف جنديا آخر وجد أن " الرؤيا تتوانى " أحيانا !! لذلك
انتظرها و قضى أوقاتا طويلة لمدة ثلاثة أسابيع يصرخ إلى الله لكي يملأه بالروح
القدس ، و لم ييأس بل تمسك بالله بإيمان مثابر ، لم يتركه حتى يباركه ، و لقد رأيت
هذا الجندي بعد فترة و تعجبت من روعة نعمة الله فيه ، لقد حل عليه حقا روح
الأنبياء !!
قال أحد أصدقائي مرة : " إن
السماء كلها مقدمة مجانا للإيمان " !! لكن أين من يستطيع أن ينتظر الله
بإيمان ؟! فلنضع أنفسنا أمام إلهنا و نصرخ إليه بلجاجة لكي تنزل ناره من السماء و
تلتهم ذبيحة حياتنا ، و عندئذ سنعرف معنى القداسة الحقيقية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق