رأينا نجمه
«فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له» (مت2: 2)
«لا يقدر أحد أن يُقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب» (يو6: 44)
قصة المجوس ليست سوى
تجسيد حي لما يحدث مع كل نفس يقودها الآب لكي تعرف المسيح، فالآب دائماً يجتذب
النفوس إلى شخص المسيح، فهو يرسل إلى كل نفس نوراً يشرق في ظلمات القلب والذهن،
وإذا تجاوبت النفس مع هذا النور وأطاعت إرشاده وقيادته فإنه حتماً يقودها وسط دروب
وصحاري هذه الحياة وصولاً إلى شخص المسيح بذاته، وهناك لا تملك النفس إلا أن تسجد
وتضع كل كنوزها عند قدميه.
† البداية تكون دائماً مع النفوس التي ترفع عيونها نحو السماء في بحث دءوب عن الله،
عن الحقيقة وسط عالم من الأكاذيب، عن الخلاص من سلطة الخطية وعذاب الضمير، عن
النور الحقيقي الذي ينير أعماق الإنسان ويجلو ظلام النفس، إلى مثل هؤلاء يرسل الله
نوراً هادياً إلى أذهانهم وأرواحهم، قد يكون هذا النور كلمات من الكتاب تنير أو
سؤال مفاجئ يؤرق الضمير أو حادثة تبحث عن تفسير..!!
لو كان المجوس من نوعية النفوس الغارقة في أمور
الأرض والتي تضع عيونها دائماً في التراب ما استطاعوا أن يروا النجم الذي أرسله
لهم الله، فهل أنت من رافعي عيونهم إلى السماء أم من الغارقين في تراب الأرض؟!
† يأتي بعد ذلك ضرورة التجاوب مع النور، النفوس الأمينة لله
والباحثة بالحق عن الحياة تتشبث بالنور بمجرد أن تراه، تترك كل شيء وراءها وتتحرك
صوب هذا النور الجديد، تفك كل القيود التي تربطها إلى الأرض التي تقف عليها لكي تتحرك
نحو أرض جديدة، يصبح الذهاب وراء النجم الأولوية القصوى والضرورة الأهم من كل
الضروريات الأخرى، قد تضطر النفس أن تترك دفء الأهل وصحبة الأصدقاء وتسلك في طرق
وعرة لم تتعود عليها من قبل، ووسط الإحساس بالوحدة ووحشة البرية لا يكون هناك من معزي
سوى ضوء النجم المتلألئ في الأفق، نور الرجاء وأمل الوصول لملك الدهور المستحق
وحده أن تسير نحوه الحياة!!
لو لم يتجاوب المجوس مع
النجم الذي رأوه في المشرق وآثروا البقاء في أرضهم ورفضوا عناء الترحال وراءه ما
كانوا قد وصلوا للمولود ملك اليهود، فهل أنت مستعد لتغيير واقعك والتجاوب مع قيادة
الله لحياتك أم أنت متكاسل في الاجتهاد وتميل للراحة والاستقرار وسط عبادتك
الروتينية وموتك الروحي؟!
† إذا رفعت النفس عينيها إلى السماء واستطاعت أن تلتقط نور الله الهادي،
وإذا تجاوبت معه وسارت وراءه تاركة ماضيها وقيودها القديمة، متسلِّحة بالاستعداد
للتغيير والرغبة في معرفة الإله الحقيقي، فلا شك أن نور الله لن يتخلَّى عنها وسط
دروب وبراري الحياة حتى يصل بها إلى شخص المسيح نفسه، فالله ليس لديه إجابة لكل
احتياجات الإنسان إلا المسيح، ولا يوجد شفاء لكل أمراض النفس البشرية إلا في المسيح،
لذلك فالنفس تشعر بفرح عظيم عندما يقف بها النجم حيث يوجد المسيح!! وهناك في موضع
الراحة، أمام عرش المسيح الملك، تجد النفس ضالتها!! وبتلقائية شديدة تسجد لشخصه في
عبادة وتفتح كنوزها وتقدمها له في تكريس، فهي تشعر أنه لا يوجد في الحياة من يستحق
هذه الكنوز سواه، كل قواها ومواهبها وعواطفها تصبح ذبيحة حية مقدسة طوال أيام
الحياة!!
أخي القارئ، هل أنت الآن في موضع السجود والتكريس هذا؟ هل تجاوبت مع نور الكلمة
وإرشاد روح الله حتى وصلت إلى حيث يوجد المسيح بشخصه، هل أنت الآن في فرح عظيم
وشركة حقيقية مع شخصه؟! هل كنوز نفسك مقدمة إليه في تكريس حقيقي أم مازال العالم
يستهلك إمكانياتك ويستنزف قواك في عبوديته القاسية؟! أتمنى لك من كل قلبي أن تنطبق
عليك قصة المجوس بكل تفاصيلها، وكل عام وأنت بخير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق