الخميس، 15 ديسمبر 2011


روح المسحة
كلمة «مسحة» أو«ممسوح» من الكلمات الشائعة على ألسنة المؤمنين وربما بدون فهم كامل لمعناها، ولكي نفهم المعنى الحقيقي لهذه الكلمة لابد أن نرجع إلى العهد القديم وبالتحديد لسفر الخروج (30: 22- 33) حيث أمر الله موسى أن يصنع زيتاً مقدساً من أفخر الأطياب بمقادير محددة ويمسح به كل مكونات خيمة الاجتماع والكهنة ليكونوا مقدسين للرب، وفيما بعد أُستخدِم زيت المسحة لمسح الملوك والأنبياء للقيام بخدمتهم، وكانت هذه المسحة تشير إلى اختيار الله  لخدامه وتكريسهم لخدمته وتأييدهم بالقوة والسلطان اللازم لإتمام هذه الخدمة، وكانت تعلن عن حقيقة هامة وهي أن عمل الله لا يمكننا أن نقوم به إلا بقوة الله وتأييده، فكل مهارة الإنسان وإمكانياته لا تؤهله للقيام بعمل الله وإتمام مشيئته في العالم، لأن عمل الله دائماً يكون على مستوى روحي فوق طبيعي لا يرقى لفهمه أي إنسان مهما كانت مؤهلاته، فما أبعد أفكار الله عن أفكارنا وطرقه عن طرقنا.
الرمز والحقيقة
كان زيت المسحة في القديم مجرد رمز للحقيقة التي أُعلنت في العهد الجديد، شأنه شأن كل ممارسات وطقوس العهد القديم التي كانت مجرد ظلال لحقائق العهد الجديد، ونفهم من الكتاب المقدس أن زيت المسحة كان يشير إلى حقيقة حلول الروح القدس على المؤمنين لتأهيلهم للخدمة وعمل مشيئة الله، فنجد الرب يوصي تلاميذه قبيل خروجهم في إرساليتهم العظمى للعالم أن لا يبرحوا من أورشليم حتى ينالوا هذه المسحة:«لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض» (أع1: 8) مما يؤكد أن الروح القدس وحده هو الذي يؤهل المؤمنين للعمل كما كانت تفعل «المسحة»في العهد القديم، وأن أي تحرك للعمل قبل نوال القوة التي يمنحها الروح القدس سيكون تحركاً باطلاً وغير مُجدي، بل إن كلمات الرب:«لا تبرحوا من أورشليم» تعني أنه لن يقبل منا أي عمل غير مصحوب بقوة الروح القدس!!
«المسيح» الكامل
وهناك أكثر من شاهد كتابي يربط بين المسحة والروح القدس وبالتحديد في حياة ربنا يسوع الذي لُقِّب بلقب «المسيح» أي الذي نال «مسحة» الروح بشكل كامل وتام، فنقرأ ما قاله بطرس الرسول في معرض حديثه في بيت كرنيليوس:«يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه»(أع10: 38) يؤكد هذا الشاهد بما لا يدع مجال للشك أن المسحة هي شخص الروح نفسه وأنها تكون مصحوبة بالقوة وبتأييد إلهي ظاهر في أعمال الخير والقوات والشفاء والتحرير من الأرواح الشريرة، وسيظل شخص «المسيح» هو النموذج الكامل للشخص الممسوح من الله في قوته وسلطانه، والذي ينبغي أن نتطلع إليه كمثالنا الكامل ونقتدي بخطواته في طريق عمل الخير والخدمة.
وهناك شاهد آخر لا يقل وضوحاً عن الشاهد السابق وقد استخدمه الرب نفسه في موعظته الأولى في مجمع الناصرة، عندما اقتبس من نبوة أشعياء:«روح الرب عليَّ لأنه مسحني لأبشِّر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعُمي بالبصر وأُرسل المُنسحقين في الحرية»(أش 61: 1، 2، لو4: 18، 19) ولقد طبَّق الرب هذه النبوة على شخصه له المجد عندما قال للحاضرين في المجمع:«اليوم قد تمَّ هذا المكتوب في مسامعكم» مما يؤكد أن المسحة تتم بحلول شخص الروح نفسه وتعطي القوة اللازمة لخدمة التبشير والشفاء والتحرير.
المسحة في العهد الجديد
كانت المسحة في القديم تُعطى لبعض الأفراد الذين يتم اختيارهم للقيام بعمل الله، لكنها في العهد الجديد صارت من حق جميع المؤمنين، فالروح القدس يحل علينا ويسكن فينا بمجرد إيماننا القلبي بالمسيح وقبول عمله الكفاري لأجلنا (أف1: 13) لذلك يقول الرسول يوحنا للمؤمنين في رسالته الأولى:«وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء ...وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يعلِّمكم أحد بل كما تعلِّمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء وهي حق وليست كذباً» (1يو2: 20، 27) ونفهم من هذا الشاهد أن هذه المسحة هي في كل المؤمنين الذين يكتب إليهم الرسول يوحنا، وقد كان فيهم الأولاد الصغار والأحداث والشيوخ، أي أنها موجودة في كل مؤمن بالمسيح مهما كانت قامته الروحية أو الزمنية، ونفهم أيضاً أن هذه المسحة هي التي تؤهلنا للثبات في المسيح وللخدمة من خلال أنها تعلِّمنا الحق وتكشف لنا الكذب وتحفظنا من الضلال، وماذا تكون هذه المسحة التي تعلِّمنا كل شيء إلا شخص الروح القدس الذي قال عنه الرب:«وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق» (يو16: 13)
ولأن هذه المسحة المقدسة كانت تمسح الملوك والكهنة في العهد القديم لذلك صار كل المؤمنين في العهد الجديد ملوكاً وكهنة (رؤ1:6، 1بط2: 5، 9) فالمسحة التي كانت قديماً قاصرة على بعض فئات الشعب صارت الآن من حق كل مؤمن بالمسيح!!
وفي (1كو12) كما في أجزاء كثيرة من العهد الجديد نقرأ عن كيفية تأهيل الروح القدس لنا لكي نقوم بعمل الخدمة، فهو يمنحنا المواهب الروحية التي نستطيع بها أن نخدم الله ونتمم عمله على الأرض، وبدون هذه المواهب لن نستطيع أن نخدم الله خدمة مرضية.
أخيراً نقول أن هذه المسحة صارت تسكن في جميع المؤمنين بالمسيح من خلال شخص الروح القدس، لكنها لا تظهر في حياتنا وخدمتنا إلا إذا طلبنا من شخص الروح أن يملأنا بقوته وسلطانه ومواهبه، وخضعنا لتطهيره وتشكيله لحياتنا، وتركنا له الفرصة أن يرشدنا ويقودنا إلى كل الحق، عندئذ فقط ستظهر فينا «المسحة» ويتمجد الله في حياتنا وخدمتنا كما تمجد قديماً في حياة «المسيح» الأعظم شخص ربنا يسوع المسيح، آمين.

   

هناك تعليق واحد:

  1. الرب قادر ان يبارككم بكل بركه روحيه ويعوض تعب محبتكم امين

    ردحذف